ولما كان تفسير (ابن جرير الطبري) تفسيرا انتهج صاحبه - رحمه الله - بما منحه الله من واسع فضله، ووافر كرمه، وأفاض عليه من علمه قد انتهج طريقة البسط في التفسير، مع طول النفس في التعبير، والغوص في الأعماق للبحث والتقرير، خدمة منه لدينه، وتقربا لربه، وحرصا على بيان مراد الله من كلامه.
فضمَّنه قواعد فائقة، وفوائد شائقة، ونُكَتًا مِنَ التفسيرِ واللغاتِ، وَالإعرابِ والقراءاتِ، وهذا وإن كان نفعه كبير، وخيره وافر وكثير، لكن لما ضعفت الهمم عن تحصيل المبسوطات، وفترت العزائم عن مطالعة المطولات، ومال أكثر الناس إلى المختصرات، وغلبت عليهم الشهوات، فتركوا المهمات، وانشغلوا بالمحقرات عن تحصيل ما يوصل إلى السعادات، مما جعل النفع بهذا السفر العظيم من التفسير - كغيره - قاصرا على الخاصة من العلماء، مع أنه من أجود التفاسير وأنفعها وأشملها وأنبلها وأسناها، ولما اقتضت حكمة الله البالغة أن لا يرفع شيئا من هذه الدنيا إلا وضعه، وأن كل عمل بشري مهما جل قدر صاحبه، وعظم جانبه لا يخلو من قصور واستدراك، كما قَالَ الْمُزَنِيّ: قَرَأْتُ كِتَابَ الرِّسَالَةِ عَلَى الشَّافِعِيِّ ثَمَانِينَ مَرَّةً، فَمَا مِنْ مَرَّةٍ إلَّا وَكَانَ يَقِفُ عَلَى خَطَأٍ.
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هِيهِ، أَبَى اللَّهُ أَنْ يَكُونَ كِتَابًا صَحِيحًا غَيْرَ كِتَابِهِ". اهـ. (حاشية ابن عابدين 1/ 27) "
وقال ابن رجب الحنبلي: (ويأبى الله العصمة لكتاب غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطإ المرء في كثير من صوابه) . اهـ القواعد (ص: 3)
ولما اتفق العقلاء وأجمع الفضلاء على أن لكل جواد كبوة، ولكل شجاع نبوة، ولكل كريم هفوة.
أقلني أقلني لا عدمتك عثرتي ... فكل جواد لا محالةً يعثر
لعمري لقد حذرتني ونعيتني ... وبصرتني لو أنني كنت أبصر
ليالي سهامي في اليدين صحيحة ... ألا كل سهم مرةً يتكسر
وأحسن ما يأتي امرؤ من فعاله ... تجاوزه عن مذنب حين يقدر
فإن مما يؤخذ على هذا التفسير - وإن كان فيه نكت لطيفة، وفوائد عجيبة، وفيه من الخصائص العلية، واللطائف الخفية، ما يفوق العد والإحصاء - إلا أنه قد اشتمل على روايات كثيرة ومتعددة في الموضوع الواحد، مع التكرار الذي - قد يصيب البعض بشيء من الملل - بالإضافة إلى تعرضه لبعض القصص والأخبار الإسرائيلية المطولة، وبعضها حوى شيئا من الافتراء والكذب على أنبياء الله ورسله - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - كما ذكر - مثلا - في قصص الخليل إبراهيم وموسى وداوود وسليمان وزكريا ويحيى وغيرهم - صلى الله عليهم وسلم وكرم وبجل - وهو ما سيقف القارئ الكريم عليه مفصلا - إن شاء الله تعالى - قد كان سببا في صرف البعض عن مطالعة هذا السِّفر العظيم وحرمانهم من الإفادة منه، مما حدا بالعبد الفقير، والعاجز الحقير - مع إقراري بأني قليل البضاعة، قصير الباعة، لكني عزمت - مستعينا برب الأرض والسماء، ومعلم آدم الأسماء - على عمل تهذيب لهذا السفر الجليل لتقريبه للناس عامة، ولأهل العلم خاصة، راجيا من علام الغيوب أن يوفقني لعدم الخلل - إن شاء الله تعالى - بشيء من المادة العلمية كما ذكرها المفسر - رحمه الله - وذلك عن طريق الاكتفاء بحذف ما لا تدعو الضرورة إليه، من الروايات المكررة، والأسانيد المطولة، وبعض الإسرائيليات المختلقة، تسهيلا على الطالبين، وتقريبا على الراغبين، وما أبقيناه من تلك الروايات فإنما ذكرناه للتحذير منه، ولبيان فساده وعواره، وإظهار ضعفه وخواره - خصوصا - ما يتعلق بالأنبياء والمرسلين - صلى الله عليهم وسلم أجمعين -
وبقي روح التفسير - وله تعالى الحمدُ في الأولى والآخرة - كما هو، وسيرى القارئ ذلك - بحول الله ومشيئته - كما تجدر الإشارة هنا إلى أن بعض هذه المرويات أيضا قد حوت كثيرا من الدرر الباهرة، والنفائس الفائقة، واللطائف الظاهرة، والحكم المتظاهرة، أُشهد اللهَ أن الواحدة منها خير من الدنيا وما فيها، وأن أدناها تستحق رحلة.
وإن كان أكثر الأفاضل والنبلاء الذين عملوا على اختصارٍ أو تهذيبٍ لهذا التفسير النفيس - مع إقراري لهم بالسبق والفضل والأهلية جزاهم الله خيرا - قد عمد أكثرهم إلى حذف جميع تلك المرويات، إلا في القليل النادر، والنادر لا حكم له، مما كان سببا في حرمان بعض أهل العلم من الوقوف على كثير مما حوته تلك المرويات من درر عالية، ونفائس غالية.
وقد وسمت هذا العمل الكاسد المتواضع بـ (المهذَّب النقِيّ الجامع لتفسير ابن جرير الطبرِيّ)
وقد قيل:
إذا لم يأت العبدَ من الله سدادُه، ولا كان من بحره استمدادُه، لم يغن عنه اجتهادُه.
يقول العبد العاجز الفقير، المعترف بالذل والقصور، والراجي عفو العزير الغفور/ عبد الرحمن بن محمد القماش
إلى الله أبتهل في حسن العون والتأييد لما يحب، والتسديد، وأسأله الصلاة على محمد وآله وصحابته، وأستعين به وأتوكل عليه، وأن يجعل عملي - دائما وأبدا - خالصا لوجهه الكريم، وأن يغفر لي ولوالدي وللمؤمنين.