فهرس الكتاب

الصفحة 3600 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ}

إِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَمَا هَذِهِ الْخِيَانَةُ الَّتِي كَانَ الْقَوْمُ يَخْتَانُونَهَا أَنْفُسَهُمُ الَّتِي تَابَ اللَّهُ مِنْهَا عَلَيْهِمْ فَعَفَا عَنْهُمْ؟

قِيلَ: كَانَتْ خَيَانَتُهُمْ أَنْفُسَهُمُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا جِمَاعُ النِّسَاءِ، وَالْآخَرُ: الْمَطْعَمُ، وَالْمَشْرَبُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ حَرَامًا ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ"كَانُوا يَصُومُونَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، فَلَمَّا دَخَلَ رَمَضَانُ كَانُوا يَصُومُونَ، فَإِذَا لَمْ يَأْكُلِ الرَّجُلُ عِنْدَ فِطْرِهِ حَتَّى يَنَامَ لَمْ يَأْكُلْ إِلَى مِثْلِهَا، وَإِنْ نَامَ، أَوْ نَامَتِ امْرَأَتُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْتِيهَا إِلَى مِثْلَهَا. فَجَاءَ شَيْخٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ صِرْمَةُ بْنُ مَالِكٍ، فَقَالَ لِأَهْلِهِ: أَطْعِمُونِي فَقَالَتْ: حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ شَيْئًا سُخْنًا، قَالَ: فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ فَنَامَ. ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: إِنِّي قَدْ نِمْتُ فَلَمْ يَعْذُرْهَا, وَظَنَّ أَنَّهَا تَعْتَلُّ فَوَاقَعَهَا. فَبَاتَ هَذَا وَهَذَا يَتَقَلَّبَانِ لَيْلَتَهُمَا ظَهْرًا، وَبَطْنًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} "

وَقَالَ: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ}

فَعَفَا اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وَكَانَتْ سُنَّةً""

وعَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ"كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ إِلَى مِثْلِهَا، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، وَكَانَ تَوَجَّهَ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَعَمِلَ فِي أَرْضِهِ، فَلَمَّا حَضَرَ الْإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ. فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ فَنَامَ، وَجَاءَتِ امْرَأَتُهُ قَالَتْ: قَدْ نِمْتَ فَلَمْ يَنْتَصِفِ النَّهَارُ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} "

إِلَى: {مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ}

فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا""

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلِهِ" {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ} "

إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ إِلَى: {وَعَفَا عَنْكُمْ}

كَانَ النَّاسُ أَوَّلَ مَا أَسْلَمُوا إِذَا صَامَ أَحَدُهُمْ يَصُومُ يَوْمَهُ، حَتَّى إِذَا أَمْسَى طَعِمَ مِنَ الطَّعَامِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَتَمَةِ، حَتَّى إِذَا صُلِّيَتْ حُرِّمَ عَلَيْهِمُ الطَّعَامُ حَتَّى يُمْسِيَ مِنَ اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ. وَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَمَا هُوَ نَائِمٌ، إِذْ سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ، فَأَتَى أَهْلَهُ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، فَلَمَّا اغْتَسَلَ أَخَذَ يَبْكِي، وَيَلُومُ نَفْسَهُ كَأَشَدِّ مَا رَأَيْتُ مِنَ الْمَلَامَةِ. ثُمَّ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّى أَعْتَذِرُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكَ مِنْ نَفْسِي هَذِهِ الْخَاطِئَةِ، فَإِنَّهَا زَيَّنَتْ لِي فَوَاقَعْتُ أَهْلِي، هَلْ تَجِدُ لِي مِنْ رُخْصَةٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَمْ تَكُنْ حَقِيقًا بِذَلِكَ يَا عُمَرُ» ، فَلَمَّا بَلَغَ بَيْتَهُ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَأَنْبَأَهُ بِعُذْرِهِ فِي آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَأَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أَنْ يَضَعَهَا فِي الْمِائَةِ الْوسْطَى مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَقَالَ: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ}

إِلَى {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ}

يَعْنِي بِذَلِكَ الَّذِي فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَفْوَهُ، فَقَالَ: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ}

إِلَى: {مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ}

فَأَحَلَّ لَهُمُ الْمُجَامَعَةِ، وَالْأَكْلَ، وَالشُّرْبَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُ الصُّبْحُ""

فَأَمَّا الْمُبَاشَرَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: فَإِنَّهُ مُلَاقَاةُ بَشَرَةٍ بِبَشَرَةٍ، وَبَشَرَةُ الرَّجُلِ: جِلِدَتُهُ الظَّاهِرَةُ.

وَإِنَّمَا كَنَّى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ}

عَنِ الْجِمَاعِ: يَقُولُ: فَالْآنَ إِذَا أَحْلَلْتُ لَكُمُ الرَّفَثَ إِلَى نِسَائِكُمْ فَجَامِعُوهُنَّ فِي لَيَالِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، وَهِيَ تَبَيُّنُ الْخَيْطِ الْأَبْيَضِ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}

فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْوَلَدُ

قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ" {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} "

قَالَ: الْجِمَاعُ""

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَاهُ: مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَكُمْ، وَرَخَّصَهُ لَكُمْ.

عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ، كَيْفَ تَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: {وَابْتَغُوا}

أَوْ «وَاتَّبِعُوا» ؟ قَالَ"أَيَّتُهُمَا شِئْتَ. قَالَ: عَلَيْكَ بِالْقِرَاءَةِ الْأُولَى"

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَالَ: {وَابْتَغُوا}

بِمَعْنَى: اطْلُبُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، يَعْنِي الَّذِي قَضَى اللَّهُ تَعَالَى لَكُمْ.

وَإِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: اطْلُبُوا الَّذِي كَتَبْتُ لَكُمْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَنَّهُ يُبَاحُ فَيُطْلَقُ لَكُمْ، وَطَلَبُ الْوَلَدِ إنْ طَلَبَهُ الرَّجُلُ بِجَمَاعِهِ الْمَرْأَةَ مِمَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَكَذَلِكَ إِنْ طَلَبَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَهُوَ مِمَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ طَلَبَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ وَأَبَاحَهُ، فَهُوَ مِمَّا كَتَبَهُ لَهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. وَقَدْ يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}

جَمِيعُ مَعَانِي الْخَيْرِ الْمَطْلُوبَةِ، غَيْرَ أَنَّ أَشْبَهَ الْمَعَانِي بِظَاهِرِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ: وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ مِنَ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ عُقَيْبُ قَوْلِهِ: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ}

بِمَعْنَى: جَامِعُوهُنَّ؛ فَلَأَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}

بِمَعْنَى: وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ فِي مُبَاشَرَتِكُمْ إِيَّاهُنَّ مِنَ الْوُدِّ، وَالنَّسْلِ أَشْبَهُ بِالْآيَةِ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي لَيْسَ عَلَى صِحَّتِهَا دَلَالَةٌ مِنْ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ، وَلَا خَبَرَ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت