فهرس الكتاب

الصفحة 4657 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ(205)}

يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَإِذَا تَوَلَّى}

وَإِذَا أَدْبَرَ هَذَا الْمُنَافِقُ مِنْ عِنْدِكَ يَا مُحَمَّدُ مُنْصَرِفًا عَنْكَ

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِذَا غَضِبَ

فَمَعْنَى الْآيَةِ: وَإِذَا خَرَجَ هَذَا الْمُنَافِقُ مِنْ عِنْدِكَ يَا مُحَمَّدُ غَضْبَانَ عَمِلَ فِي الْأَرْضِ بِمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَحَاوَلَ فِيهَا مَعْصِيَةَ اللَّهِ، وَقَطْعَ الطَّرِيقِ، وَإِفْسَادَ السَّبِيلِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ، كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا مِنْ فِعْلِ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ الَّذِي ذَكَرَ السُّدِّيُّ أَنَّ فِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ إِحْرَاقِهِ زَرْعَ الْمُسْلِمِينَ وَقَتْلِهِ حُمُرَهُمْ، وَالسَّعْي فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْعَمَلُ، يُقَالُ مِنْهُ: فُلَانٌ يَسْعَى عَلَى أَهْلِهِ، يَعْنِي بِهِ يَعْمَلُ فِيمَا يَعُودُ عَلَيْهِمْ نَفْعُهُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى:

[البحر الكامل]

وَسَعَى لِكِنْدَةَ سَعْيَ ... غَيْرِ مُوَاكِلٍ قَيْسٌ فَضَرَّ عَدُوَّهَا وَبَنَى لَهَا

يَعْنِي بِذَلِكَ: عَمِلَ لَهُمْ فِي الْمَكَارِمِ. وَكَالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ كَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْإِفْسَادِ الَّذِي أَضَافَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأْوِيلُهُ مَا قُلْنَا فِيهِ مِنْ قَطْعِهِ الطَّرِيقَ، وَإِخَافَتِهِ السَّبِيلَ، كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ فِعْلِ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ قَطْعُ الرَّحِمِ، وَسَفْكُ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَصَفَ هَذَا الْمُنَافِقَ بِأَنَّهُ إِذَا تَوَلَّى مُدْبِرًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمِلَ فِي أَرْضِ اللَّهِ بِالْفَسَادِ. وَقَدْ يَدْخُلُ فِي الْإِفْسَادِ جَمِيعُ الْمَعَاصِي، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْمَعَاصِي إِفْسَادٌ فِي الْأَرْضِ، فَلَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ وَصْفَهُ بِبَعْضِ مَعَانِي الْإِفْسَادِ دُونَ بَعْضٍ. وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْإِفْسَادُ مِنْهُ كَانَ بِمَعْنَى قَطْعِ الطَّرِيقِ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ"مِنْهُ فَقَدْ كَانَ إِفْسَادًا فِي الْأَرْضِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَعْصِيَةٌ. غَيْرَ أَنَّ الْأَشْبَهَ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ أَنْ يَكُونَ كَانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ، وَيُخِيفُ السَّبِيلَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَصَفَهُ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ بِأَنَّهُ سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ، وَالنَّسْلَ، وَذَلِكَ بِفِعْلٍ مُخِيفِ السَّبِيلِ أَشْبَهَ مِنْهُ بِفِعْلِ قُطَّاعِ الرَّحِمِ."

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ}

اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي وَجْهِ إِهْلَاكِ هَذَا الْمُنَافِقِ، الَّذِي وَصَفَهُ اللَّهُ بِمَا وَصَفَهُ بِهِ مِنْ صِفَةِ إِهْلَاكِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ

«كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ إِحْرَاقًا لِزَرْعِ قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَقْرًا لِحُمُرِهِمْ»

وَقَالَ آخَرُونَ: إِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ بِالْعُدْوَانِ وَالظُّلْمِ، فَيَحْبِسُ اللَّهُ بِذَلِكَ الْقَطْرَ، فَيُهْلِكُ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ.

قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ مُجَاهِدٌ: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبِرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}

قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا هُوَ بَحْرُكُمْ هَذَا، وَلَكِنْ كُلُّ قَرْيَةٍ عَلَى مَاءٍ جَارٍ فَهُوَ بَحْرٌ""

وَالَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا مِنَ التَّأْوِيلِ تَحْتَمِلُهُ الْآيَةُ، فَإِنَّ الَّذِي هُوَ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ مِنَ التَّأْوِيلِ مَا ذَكَرْنَا عَنِ السُّدِّيِّ، فَلِذَلِكَ اخْتَرْنَاهُ.

وَأَمَّا الْحَرْثُ، فَإِنَّهُ الزَّرْعُ، وَالنَّسْلُ: الْعَقِبُ، وَالْوَلَدُ وَإِهْلَاكُهُ الزَّرْعَ: إِحْرَاقُهُ.

وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَانَ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ، بِاحْتِبَاسِ الْقَطْرِ مِنْ أَجْلِ مَعْصِيَتِهِ رَبَّهُ وَسَعْيِهِ بِالْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ بِقَتْلِهِ الْقَوَّامَ بِهِ، وَالْمُتَعَاهِدِينَ لَهُ حَتَّى فَسَدَ فَهَلَكَ. وَكَذَلِكَ جَائِزٌ فِي مَعْنَى إِهْلَاكِهِ النَّسْلَ أَنْ يَكُونَ كَانَ بِقَتْلِهِ أُمَّهَاتِهِ أَوْ آبَاءَهُ الَّتِي مِنْهَا يَكُونُ النَّسْلُ، فَيَكُونُ فِي قَتْلِهِ الْآبَاءَ وَالْأُمَّهَاتِ انْقِطَاعُ نَسْلِهِمَا. وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ، غَيْرِ أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ تَحْتَمِلُهُ الْآيَةُ فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِظَاهِرِهَا مَا قَالَهُ السُّدِّيُّ، غَيْرَ أَنَّ السُّدِّيَّ، ذَكَرَ أَنَّ الَّذِيَ نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي قَتْلِهِ حُمُرَ الْقَوْمِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَإِحْرَاقِهِ زَرْعًا لَهُمْ. وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، فَغَيْرُ فَاسِدٍ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِيهِ، وَالْمُرَادُ بِهَا كُلُّ مَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُ فِي قَتْلِ كُلِّ مَا قُتِلَ مِنَ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ بِحَالٍ وَالَّذِي يَحِلُّ قَتْلُهُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ إِذَا قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، بَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ عِنْدِي، لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يُخَصِّصْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ بَلْ عَمَّهُ.

وَقَدْ قَرَأَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ: (وَيُهْلِكُ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ) بِرَفْعِ «يُهْلِكُ» عَلَى مَعْنَى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَيُهْلِكُ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَاللَّهُ لَا يَجِبُ الْفَسَادَ. فَيَرُدُّ «وَيُهْلِكُ» عَلَى «وَيَشْهَدُ اللَّهَ» عَطْفًا بِهِ عَلَيْهِ.

وَذَلِكَ قِرَاءَةٌ عِنْدِي غَيْرُ جَائِزَةٍ وَإِنْ كَانَ لَهَا مَخْرَجٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ لِمُخَالَفَتِهَا لِمَا عَلَيْهِ الْحُجَّةُ مُجْمِعَةٌ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةَ: {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ}

وَأَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُصْحَفِهِ فِيمَا ذُكِرَ لَنَا: لِيُفْسِدَ فِيهَا وَلِيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ"، وَذَلِكَ مِنْ أَدَلِّ الدَّلِيلِ عَلَى تَصْحِيحِ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ {وَيُهْلِكَ} "

بِالنَّصْبِ عَطْفًا بِهِ عَلَى: {لِيُفْسِدَ فِيهَا} .

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}

يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمَعَاصِيَ، وَقَطْعَ السَّبِيلِ، وَإِخَافَةَ الطَّرِيقِ. وَالْفَسَادُ: مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: فَسَدَ الشَّيْءُ يَفْسَدُ، نَظِيرَ قَوْلِهِمْ: ذَهَبَ يَذْهَبُ ذَهَابًا، وَمَنِ الْعَرَبِ مَنْ يَجْعَلُ مَصْدَرَ فَسَدَ فُسُودًا، وَمَصْدَرُ ذَهَبَ يَذْهَبُ ذُهُوبًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت