فهرس الكتاب

الصفحة 5341 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(227)}

اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ}

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ أَنْ يَعْتَزِلُوا مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنْ فَاءُوا فَرَجَعُوا إِلَى مَا أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُنَّ مِنَ الْعِشْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ فِي الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ تَرَبُّصَهُمْ عَنْهُنَّ، وَعَنْ جِمَاعِهِنَّ، وَعِشْرَتِهِنَّ فِي ذَلِكَ بِالْوَاجِبِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَهُمْ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَإِنْ تَرَكُوا الْفَيْءَ إِلَيْهِنَّ فِي الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَهُمُ التَّرَبُّصَ فِيهِنَّ حَتَّى يَنْقَضِينَ طُلِّقَ مِنْهُمْ نِسَاؤُهُمُ اللَّاتِي آلُوا مِنْهُنَّ بِمُضِيِّهِنَّ، وَمُضِيُّهُنَّ عِنْدَ قَائِلِي ذَلِكَ هُوَ الدَّلَالَةُ عَلَى عَزْمِ الْمُؤْلِي عَلَى طَلَاقِ امْرَأَتِهِ الَّتِي آلَى مِنْهَا.

ثُمَّ اخْتَلَفَ مُتَأَوِّلُو هَذَا التَّأْوِيلَ بَيْنَهُمْ فِي الطَّلَاقِ الَّذِي يَلْحَقُهَا بِمُضِيِّ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ فِي الْإِيلَاءِ: «إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ، وَتَعْتَدُّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ»

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الَّذِي يَلْحَقُهَا بِمُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ تَطْلِيقَةٌ يَمْلِكُ فِيهَا الزَّوْجَ الرَّجْعَةَ

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ}

إِلَى قَوْلِهِ: {فَإِنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ}

لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ عَلَى الِاعْتِزَالِ مِنْ نِسَائِهِمْ تَنْظُرُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بِأَمْرِهِ وَأَمْرِهَا، فَإِنْ فَاءُوا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ إِلَيْهِنَّ، فَرَجَعُوا إِلَى عِشْرَتِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَرْكِ هِجْرَانِهِنَّ، وَأْتُوا إِلَى غِشْيَانِهِنَّ، وَجِمَاعِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَأَحْدَثُوا لَهُنَّ طَلَاقًا بَعْدَ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ لِطَلَاقِهِمْ إِيَّاهُنَّ، عَلِيمٌ بِمَا فَعَلُوا بِهِنَّ مِنْ إِحْسَانٍ، وَإِسَاءَةٍ.

وَقَالَ مُتَأَوِّلُو هَذَا التَّأْوِيلَ: مُضِيُّ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ يُوجِبُ لِلْمَرْأَةِ الْمُطَالَبَةَ عَلَى زَوْجِهَا الْمُؤْلِي مِنْهَا بِالْفَيْءِ، أَوِ الطَّلَاقِ، وَيُجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ أَنْ يُقِفَ الزَّوْجَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ فَاءَ، أَوْ طَلَّقَ، وَإِلَّا طَلَّقَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ

عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ:"فِي الْإِيلَاءِ: يُوقَفُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ، فَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ، وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ"

وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ الْإِيلَاءُ بِشَيْءٍ

وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: بَلْ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ}

وَإِنِ امْتَنَعُوا مِنَ الْفَيْئَةِ بَعْدَ اسْتِيقَافِ الْإِمَامِ إِيَّاهُمْ عَلَى الْفَيْءِ، أَوِ الطَّلَاقِ

عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «يُوقَفُ الْمُؤْلِي عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ، فَإِنْ فَاءَ جَعَلَهَا امْرَأَتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَفِئْ جَعَلَهَا تَطْلِيقَةً بَائِنَةً»

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَشْبَهُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ، قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ فِي الطَّلَاقِ. أَنَّ قَوْلَهُ: {فَإِنْ فَاءُوا}

فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ إِنَّمَا مَعْنَاهُ: فَإِنْ فَاءُوا بَعْدَ وَقْفِ الْإِمَامِ إِيَّاهُمْ مِنْ بَعْدِ انْقِضَاءِ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ، فَرَجَعُوا إِلَى أَدَاءِ حَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِنِسَائِهِمُ اللَّاتِي آلَوْا مِنْهُنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ لَهُمْ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَطَلِّقُوهُنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ لِطَلَاقِهِمْ إِذَا طَلَّقُوا، عَلِيمٌ بِمَا أَتَوْا إِلَيْهِنَّ.

وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ ذَكَرَ حِينَ قَالَ: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ}

وَمَعْلُومٌ أَنَّ انْقِضَاءَ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ غَيْرُ مَسْمُوعٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْلُومٌ، فَلَوْ كَانَ عَزْمُ الطَّلَاقِ انْقِضَاءُ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ لَمْ تَكُنِ الْآيَةُ مَخْتُومَةً بِذِكْرِ اللَّهِ الْخَبَرَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَخْتَمِ الْآيَةَ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا الْفَيْءَ إِلَى طَاعَتِهِ فِي مُرَاجَعَةِ الْمُؤْلِي زَوْجَتَهُ الَّتِي آلَى مِنْهَا وَأَدَاءِ حَقِّهَا إِلَيْهَا بِذِكْرِ الْخَبَرِ عَنْ أَنَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعَ وَعِيدٍ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَلَكِنَّهُ خَتَمَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الْخَبَرِ عَنْ وَصْفِهِ نَفْسَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، إِذْ كَانَ مَوْضِعُ، وَعْدِ الْمُنِيبِ عَلَى إِنَابَتِهِ إِلَى طَاعَتِهِ، فَكَذَلِكَ خَتَمَ الْآيَةَ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْقَوْلِ، وَالْكَلَامِ بِصِفَةِ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ لِلْكَلَامِ سُمَيْعٌ وَبِالْفِعْلِ عَلِيمٌ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِنْ عَزَمَ الْمُؤْلُونَ عَلَى نِسَائِهِمْ عَلَى طَلَاقِ مَنْ آلُوا مِنْهُ مِنْ نِسَائِهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ لِطَلَاقِهِمْ إِيَّاهُنَّ إِنْ طَلَّقُوهُنَّ، عَلِيمٌ بِمَا أَتَوْا إِلَيْهِنَّ مِمَّا يَحِلُّ لَهُمْ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ. وَقَدِ اسْتَقْصَيْنَا الْبَيَانَ عَنِ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ فِي كِتَابِنَا كِتَابِ «اللَّطِيفُ مِنَ الْبَيَانِ عَنْ أَحْكَامِ شَرَائِعِ الدِّينِ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت