عَنْ قَتَادَةَ، {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ}
حَتَّى بَلَغَ: {بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ}
"ذَهَابُ الْمَالِ وَالْأَهْلِ، وَالضُّرُ الَّذِي أَصَابَهُ فِي جَسَدِهِ، قَالَ: ابْتُلِيَ سَبْعَ سِنِينَ وَأَشْهُرًا مُلْقًى عَلَى كُنَاسَةٍ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ تَخْتَلِفُ الدَّوَابُّ فِي جَسَدِهِ، فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ، وَعَظَّمَ لَهُ الْأَجْرَ، وَأَحْسَنَ عَلَيْهِ الثَّنَاءَ". انتهى كلامه.
قال الدكتور/ محمد أبو شهبة:
ومن القصص التي تزيَّد فيها المتزيدون، واستغلها القصاصون، وأطلقوا فيها لخيالهم العنان: قصة سيدنا أيوب عليه السلام، فقد رووا فيها ما عصم الله أنبياءه عنه، وصوروه بصورة لا يرضاها الله لرسولٍ من رسله.
فقد ذكر بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} .
ذكر السيوطي في"الدر المنثور"وغيره، عن قتادة رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ} ... الآية، قال: ذهاب الأهل والمال، والضر الذي أصابه في جسده، قال: ابتلي سبع سنين وأشهرا، فألقي على كناسة بني إسرائيل، تختلف الدواب في جسده، ففرَّج الله عنه، وأعظم له الأجر، وأحسن.
قال: وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: إن الشيطان عرج إلى السماء فقال: يا رب سلطني على أيوب عليه السلام، قال الله: قد سلطتك على ماله، وولده، ولم أسلطك على جسده، فنزل: فجمع جنوده فقال لهم: قد سلطت على أيوب عليه السلام فأروني سلطانكم فصاروا نيرانا، ثم صاروا ماء، فينما هم بالمشرق إذا هم بالمغرب، وبينما هم بالمغرب إذا هم بالمشرق، فأرسل طائفة منهم إلى زرعه، وطائفة إلى أهله، وطائفة إلى بقره، وطائفة إلى غنمه، وقال: إنه لا يعتصم منكم إلا بالمعروف: فأتوه بالمصائب بعضها على بعض، فجاء صاحب الزرع فقال: يا أيوب، ألم ترَ إلى ربك: أرسل على زرعك عدوا، فذهب به، وجاء صاحب الإبل، وقال: ألم ترَ إلى ربك أرسل على إبلك عدوا، فذهب بها، ثم جاء صاحب البقر، فقال: ألم ترَ إلى ربك أرسل على بقرك عدوا، فذهب بها، وتفرد هو ببنيه جمعهم في بيت أكبرهم، فينما هم يأكلون، ويشربون إذ هبت ريح فأخذت بأركان البيت، فألقته عليهم، فجاء الشيطان إلى أيوب بصورة غلام، فقال: يا أيوب، ألم تر إلى ربك جمع بنيك في بيت أكبرهم، فينما هم يأكلون، ويشربون؛ إذ هبت ريح، فأخذت بأركان البيت، فألقته عليهم، فلو رأيتهم حين اختلطت دماؤهم، ولحومهم بطعامهم، وشرابهم، فقال له أيوب: أنت الشيطان، ثم قال له: أنا اليوم كيوم ولدتني أمي، فقام، فحلق رأسه، وقام يصلي، فرنَّ إبليس رنَّةً سمع بها أهل السماء وأهل الأرض، ثم خرج إلى السماء،
فقال: أي رب، إنه قد اعتصم، فلسلطني عليه، فإني لا أستطيعه إلا بسلطانك، قال: قد سلطتك على جسده، ولم أسلطك على قلبه، فنزل، فنفخ تحت قدمه نفخة، قرح ما بين قدميه إلى قرنه، فصار قرحة واحدة، وألقي على الرماد، حتى بدا حجاب قلبه، فكانت امرأته تسعى إليه، حتى قالت له: أما ترى يا أيوب، قد نزل بي والله من الجهد والفاقة ما إن بعت قروني برغيف، فأطعمك، فادع الله أن يشفيك، ويريحك، قال: ويحك؛ كنا في النعيم سبعين عاما، فاصبري حتى نكون في الضر سبعين عاما، فكان في البلاء سبع سنين، ودعا، فجاء جبريل عليه السلام يومًا فأخذ بيده، ثم قال: قم: فقام، فنحاه عن مكانه، وقال: اركض برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب، فركض برجله، فنبعت عين، فقال: اغتسل، فاغتسل منها، ثم جاء أيضا، فقال: اركض برجلك فنبعت عين أخرى، فقال له: اشرب منها، وهو قوله: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} ، وألبسه الله حلة من الجنة.