1 -قَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) }
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي السَّبَبُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَصَّ سُلَيْمَانُ مَسْأَلَةَ الْمَلَأِ مِنْ جُنْدِهِ إِحْضَارَ عَرْشِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ مِنْ بَيْنِ أَمْلَاكِهَا قَبْلَ إِسْلَامِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَعْجَبَهُ حِينَ وَصَفَ لَهُ الْهُدْهُدُ صِفَتَهُ، وَخَشِيَ أَنْ تُسْلِمَ فَيُحَرَّمَ عَلَيْهِ مَالُهَا، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ سَرِيرَهَا ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُحَرَّمَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ بِإِسْلَامِهَا.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ فَعَلَ ذَلِكَ سُلَيْمَانُ لِيُعَاتِبَهَا بِهِ، وَيَخْتَبِرَ بِهِ عَقْلَهَا، هَلْ تُثْبِتُهُ إِذَا رَأَتْهُ، أَمْ تُنْكِرُهُ؟
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ {قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِيَ مُسْتَسْلِمِينَ طَوْعًا.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ الْإِسْلَامَ الَّذِي هُوَ دَيْنُ اللَّهِ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ:" {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} "
بِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ فَيَمْنَعُهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، يَعْنِي: الْإِسْلَامُ يَمْنَعُهُمْ"."
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجَلِهِ خَصَّ سُلَيْمَانُ بِسُؤَالِهِ الْمَلَأَ مِنْ جُنْدِهِ بِإِحْضَارِهِ عَرْشَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ دُونَ سَائِرِ مُلْكِهَا عِنْدَنَا، لِيَجْعَلَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهَا فِي نُبُوَّتِهِ، وَيُعَرِّفُهَا بِذَلِكَ قُدْرَةَ اللَّهِ وَعَظِيمَ شَأْنِهِ، أَنَّهَا خَلَّفَتْهُ فِي بَيْتٍ فِي جَوْفِ أَبْيَاتٍ بَعْضُهَا فِي جَوْفِ بَعْضٍ، مُغْلَقٌ مُقْفَلٌ عَلَيْهَا، فَأَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، بِغَيْرِ فَتْحِ إِغْلَاقٍ وَأَقْفَالٍ، حَتَّى أَوْصَلَهُ إِلَى وَلِيِّهِ مِنْ خَلْقِهِ، وَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ، فَكَانَ لَهَا فِي ذَلِكَ أَعْظَمُ حُجَّةٍ عَلَى حَقِيقَةِ مَا دَعَاهَا إِلَيْهِ سُلَيْمَانُ، وَعَلَى صِدْقِ سُلَيْمَانَ فِيمَا أَعْلَمَهَا مِنْ نُبُوَّتِهِ.
فَأَمَّا الَّذِي هُوَ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي قَوْلِهِ {قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}
بِتَأْوِيلِهِ، فَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ طَائِعِينَ، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تَأْتِ سُلَيْمَانَ إِذْ أَتَتْهُ مُسْلِمَةً، وَإِنَّمَا أَسْلَمَتْ بَعْدَ مَقْدَمِهَا عَلَيْهِ وَبَعْدَ مُحَاوَرَةٍ جَرَتْ بَيْنَهُمَا وَمُسَاءَلَةٍ. انتهى كلامه - رحمه الله -.
وقد أجاد في الترجيح، وتأمل فساد ما ذكر في الرواية الأولى من أن سليمان - عليه السلام - خَشِيَ أَنْ تُسْلِمَ فَيُحَرَّمَ عَلَيْهِ مَالُهَا، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ سَرِيرَهَا ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُحَرَّمَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ بِإِسْلَامِهَا.
أقول: (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) ما فعل سليمان - عليه السلام - ذلك إلا من أجل إسلامها كما ورد في آخر القصة، وما قيمة عرشها بجانب ما آتاه الله من ملك لا ينبغي لأحد من بعده؟؟!!!.
2 -ومن المواضع التي أجاد فيها ابن جرير - رحمه الله -
قَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) }
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى مَسَحَ سُلَيْمَانُ بِسُوقِ هَذِهِ الْخَيْلِ الْجِيَادِ وَأَعْنَاقِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ عَقَرَهَا وَضَرَبَ أَعْنَاقَهَا، مِنْ قَوْلِهِمْ: مَسَحَ عَلَاوَتَهُ: إِذَا ضَرَبَ عُنُقَهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ جَعَلَ يَمْسَحُ أَعْرَافَهَا وَعَرَاقِيبَهَا بِيَدِهِ حُبًّا لَهَا
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:"جَعَلَ يَمْسَحُ أَعْرَافَ الْخَيْلِ وَعَرَاقِيبَهَا: حُبًّا لَهَا"
وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، لِأَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ حَيَوَانًا بِالْعَرْقَبَةِ، وَيُهْلِكَ مَالًا مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ سَبَبٍ، سِوَى أَنَّهُ اشْتَغَلَ عَنْ صَلَاتِهِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا، وَلَا ذَنْبَ لَهَا بِاشْتِغَالِهِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا.