فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 6201

(فصل: عِصْمَتُهُمْ مِنْ هَذَا قَبْلَ النُّبُوَّةِ)

وَأَمَّا عِصْمَتُهُمْ مِنْ هَذَا الْفَنِّ قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَلِلنَّاسِ فِيهِ خِلَافٌ وَالصَّوَابُ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ قَبْلَ النبوة من الجهل بالله وصفاته والتشكيك فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.

وَقَدْ تَعَاضَدَتِ الْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ بِتَنْزِيهِهِمْ عَنْ هَذِهِ النَّقِيصَةِ مُنْذُ وُلِدُوا، وَنَشْأَتِهِمْ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ، بَلْ عَلَى إِشْرَاقِ أَنْوَارِ الْمَعَارِفِ، وَنَفَحَاتِ أَلْطَافِ السَّعَادَةِ، كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الثَّانِي مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَلَمْ يَنْقُلْ أحد من أهل الأخبار أن أحدا نبئ وَاصْطُفِيَ مِمَّنْ عُرِفَ بِكُفْرٍ وَإِشْرَاكٍ قَبْلَ ذَلِكَ. وَمُسْتَنَدُ هَذَا الْبَابِ النَّقْلُ.

وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْقُلُوبَ تَنْفِرُ عَمَّنْ كَانَتْ هَذِهِ سَبِيلُهُ.

وَأَنَا أَقُولُ: إِنَّ قُرَيْشًا قَدْ رَمَتْ نَبِيَّنَا بِكُلِّ مَا افْتَرَتْهُ، وَعَيَّرَ كُفَّارُ الْأُمَمِ أَنْبِيَاءَهَا بِكُلِّ مَا أَمْكَنَهَا وَاخْتَلَقَتْهُ مِمَّا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، أَوْ نَقَلَتْهُ إِلَيْنَا الرُّوَاةُ، وَلَمْ نَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَعْيِيرًا لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بِرَفْضِهِ آلِهَتَهُ، وَتَقْرِيعِهِ بِذَمِّهِ بِتَرْكِ مَا كَانَ قَدْ جَامَعَهُمْ عَلَيْهِ.

وَلَوْ كَانَ هَذَا، لكانوا بذلك مبادرين وبتلوّنه فِي مَعْبُودِهِ مُحْتَجِّينَ، وَلَكَانَ تَوْبِيخُهُمْ لَهُ بِنَهْيِهِمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ قَبْلُ أَفْظَعَ وَأَقْطَعَ فِي الْحُجَّةِ مِنْ تَوْبِيخِهِ بِنَهْيِهِمْ عَنْ تَرْكِهِمْ آلِهَتَهُمْ وَمَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ.

فَفِي إِطْبَاقِهِمْ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا سَبِيلًا إِلَيْهِ، إِذْ لَوْ كَانَ لَنُقِلَ وَمَا سَكَتُوا عَنْهُ، كَمَا لَمْ يَسْكُتُوا عن تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ وَقَالُوا: «مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها» كَمَا حَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ.

وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْقَاضِي الْقُشَيْرِيُّ عَلَى تَنْزِيهِهِمْ عَنْ هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ» الْآيَةَ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ» ، إلى قوله «لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ» .

قال فطهره اللَّهُ فِي الْمِيثَاقِ، وَبَعِيدٌ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الميثاق قبل خلقه، ثم يأخذ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَنَصْرِهِ قَبْلَ مَوْلِدِهِ بِدُهُورٍ وَيَجُوزُ عَلَيْهِ الشِّرْكُ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الذُّنُوبِ، هَذَا مَا لَا يُجَوِّزُهُ إِلَّا مُلْحِدٌ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ.

وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَقَدْ أَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَشَقَّ قَلْبَهُ صَغِيرًا، وَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، وَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ وَمَلَأَهُ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، كَمَا تظاهرت به أخبار المبدأ، ولا يشبه عليه بقول إبراهيم في الكواكب وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ هَذَا رَبِّي.

فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ: كَانَ هَذَا فِي سَنِّ الطُّفُولِيَّةِ وَابْتِدَاءِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَقَبْلَ لُزُومِ التَّكْلِيفِ.

وَذَهَبَ مُعْظَمُ الْحُذَّاقِ من العلماء والمفسرين إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مُبَكِّتًا لِقَوْمِهِ، وَمُسْتَدِلًّا عَلَيْهِمْ.

وَقِيلَ مَعْنَاهُ: الِاسْتِفْهَامُ الْوَارِدُ مَوْرِدَ الافكار، وَالْمُرَادُ فَهَذَا رَبِّي!

قَالَ الزَّجَّاجُ: قَوْلُهُ «هَذَا ربّي» أي على قولكم، كما قال «أبن شركائي» : أَيْ عِنْدَكُمْ.

وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْبُدْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَا أَشْرَكَ قَطُّ بِاللَّهِ

طَرْفَةَ عَيْنٍ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُ.

«إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ» ؟، ثُمَّ قَالَ: «أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ» .

وقال: «إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ أَيْ مِنَ الشِّرْكِ.

وَقَوْلُهُ: «وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت