فهرس الكتاب

الصفحة 3046 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ(171)}

اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: مَثَلُ الْكَافِرِ فِي قِلَّةِ فَهْمِهِ عَنِ اللَّهِ مَا يُتْلَى عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ وَسُوءُ قَبُولِهِ لِمَا يُدْعَى إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَيُوَعَظُ بِهِ، مَثَلُ الْبَهِيمَةِ الَّتِي تَسْمَعُ الصَّوْتَ إِذَا نَعَقَ بِهَا وَلَا تَعْقِلُ مَا يُقَالُ لَهَا.

عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: {كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً}

قَالَ"هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكَافِرٍ، يَقُولُ: مَثَلُ هَذَا الْكَافِرِ مَثَلُ هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي تَسْمَعُ الصَّوْتَ وَلَا تَدْرِي مَا يُقَالُ لَهَا، فَكَذَلِكَ الْكَافِرُ لَا يَنْتَفِعُ بِمَا يُقَالُ لَهُ"

وَقَالَ مُجَاهِدٌ، «الَّذِي يَنْعِقُ» الرَّاعِي «بِمَا لَا يَسْمَعُ» مِنَ الْبَهَائِمِ""

وَمَعْنَى قَائِلِي هَذَا الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِهِمْ مَا تَأَوَّلُوا عَلَى مَا حَكَيْتُ عَنْهُمْ: وَمَثَلُ وَعْظِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَوَاعِظِهِمْ كَمَثَلِ نَعْقِ النَّاعِقِ بِغَنَمِهِ وَنَعِيقِهِ بِهَا. فَأُضِيفَ الْمَثَلُ إِلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، وَتَرَكَ ذِكْرَ الْوَعْظِ وَالْوَاعِظَ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا يُقَالُ: إِذَا لَقِيتَ فُلَانًا فَعَظِّمْهُ تَعْظِيمَ السُّلْطَانِ، يُرَادُ بِهِ كَمَا تُعَظِّمُ السُّلْطَانَ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

[البحر الوافر]

فَلَسْتُ مُسَلَّمًا مَا دُمْتُ حَيًّا ... عَلَى زَيْدٍ بِتَسْلِيمِ الْأَمِيرِ

يُرَادُ بِهِ: كَمَا يُسَلَّمُ عَلَى الْأَمِيرِ.

وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلَهُ هَؤُلَاءِ: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قِلَّةِ فَهْمِهِمْ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ كَمَثَلِ الْمَنْعُوقِ بِهِ مِنَ الْبَهَائِمِ الَّذِي لَا يَفْقَهُ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ غَيْرَ الصَّوْتِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ: اعْتَلِفْ أَوْ رَدِ الْمَاءَ لَمْ يَدْرِ مَا يُقَالُ لَهُ غَيْرَ الصَّوْتِ الَّذِي يَسْمَعُهُ مِنْ قَائِلِهِ فَكَذَلِكَ الْكَافِرُ، مَثَلُهُ فِي قِلَّةِ فَهْمِهِ لِمَا يُؤْمَرُ بِهِ وَيُنْهَى عَنْهُ بِسُوءِ تَدَبُّرِهِ إِيَّاهُ وَقِلَّةِ نَظَرِهِ وَفِكْرِهِ فِيهِ مَثَلُ هَذَا الْمَنْعُوقِ بِهِ فِيمَا أُمِرَ بِهِ وَنُهِيَ عَنْهُ. فَيَكُونُ الْمَعْنَى لِلْمَنْعُوقِ بِهِ وَالْكَلَامُ خَارِجٌ عَلَى النَّاعِقِ، كَمَا قَالَ نَابِغَةُ بَنِي ذُبْيَانَ:

[البحر الطويل]

وَقَدْ خِفْتُ حَتَّى مَا تَزِيدُ مَخَافَتِي ... عَلَى وَعِلٍ فِي ذِي الَمَطَارَةِ عَاقِلِ

وَالْمَعْنَى: حَتَّى مَا تَزِيدُ مَخَافَةُ الْوَعِلِ عَلَى مَخَافَتِي، وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ:

[البحر الكامل]

كَانَتْ فَرِيضَةُ مَا تَقُولُ ... كَمَا كَانَ الزِّنَاءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ

وَالْمَعْنَى: كَمَا كَانَ الرَّجْمُ فَرِيضَةَ الزِّنَا فَجُعِلَ الزِّنَا فَرِيضَةَ الرَّجْمِ لِوُضُوحِ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَ سَامِعِهِ. وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ:

[البحر الرجز]

إِنَّ سِرَاجًا لَكَرِيمٌ مَفْخَرُهُ ... تَحْلَى بِهِ الْعَيْنُ إِذَا مَا تَجْهَرُهْ

وَالْمَعْنَى: يَحْلَى بِالْعَيْنِ فَجَعَلَهُ تَحْلَى بِهِ الْعَيْنُ وَنَظَائِرُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى مِمَّا تُوَجِّهُهُ الْعَرَبُ مِنْ خَبَرِ مَا تُخْبِرُ عَنْهُ إِلَى مَا صَاحَبَهُ لِظُهُورِ مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَ سَامِعِهِ، فَتَقُولُ: اعْرِضِ الْحَوْضَ عَلَى النَّاقَةِ، وَإِنَّمَا تُعْرَضُ النَّاقَةُ عَلَى الْحَوْضِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت