الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَ الْمُعْتَدَّاتِ فِي عَدَدِهِنَّ بِالْخِطْبَةِ فِي أَنْفُسِكُمْ وَبِأَلْسِنَتِكُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى السِّرِّ الَّذِي نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ عَنْ مُوَاعَدَةِ الْمُعْتَدَّاتِ بِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الزِّنَا
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:" {لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} "
قَالَ: فَذَلِكَ السِّرُّ: الزِّنْيَةُ، كَانَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ مِنْ أَجْلِ الزِّنْيَةِ وَهُوَ يُعَرِّضُ بِالنِّكَاحِ، فَنَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، إِلَّا مَنْ قَالَ مَعْرُوفًا""
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: لَا تَأْخُذُوا مِيثَاقَهَنَّ، وَعُهُودَهُنَّ فِي عَدَدِهِنَّ أَنْ لَا يَنْكِحْنَ غَيْرَكُمْ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَنْ يَقُولَ لَهَا الرَّجُلُ: لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَا تَنْكِحُوهُنَّ فِي عِدَّتِهِنَّ سِرًّا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ: السِّرُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الزِّنَا؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الْجِمَاعَ، وَغِشْيَانَ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ سِرًّا، لِأَنَّ
ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي خِفَاءٍ غَيْرِ ظَاهِرٍ مُطَّلِعٍ عَلَيْهِ، فَيُسَمَّى لِخَفَائِهِ سِرًّا. مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ:
[البحر الرجز]
فَعَفَّ عَنْ أَسْرَارِهَا بَعْدَ الْعَسَقْ ... وَلَمْ يُضِعْهَا بَيْنَ فَرْكٍ وَعَشَقْ
يَعْنِي بِذَلِكَ: عَفَّ عَنْ غِشْيَانِهَا بَعْدَ طُولِ مُلَازَمَتِهِ ذَلِكَ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْحُطَيْئَةِ:
[البحر الوافر]
وَيَحْرُمُ سِرُّ جَارَتِهِمْ عَلَيْهِمْ ... وَيَأْكُلُ جَارُهُمْ أَنْفَ الْقِصَاعِ
وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِكُلِّ مَا أَخْفَاهُ الْمَرْءُ فِي نَفْسِهِ سِرٌّ، وَيُقَالُ: هُوَ فِي سِرِّ قَوْمِهِ، يَعْنِي فِي خِيَارِهِمْ وَشَرَفِهِمْ. فَلَمَّا كَانَ السِّرُّ إِنَّمَا يُوَجَّهُ فِي كَلَامِهَا إِلَى أَحَدِ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ، وَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ أَحَدَهُنَّ غَيْرُ مَعْنِيٍّ بِهِ قَوْلُهُ: {وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا}
وَهُوَ السِّرُّ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْخِيَارِ وَالشَّرَفِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ وَهُوَ السِّرُّ الَّذِي بِمَعْنَى مَا أَخْفَتْهُ نَفْسُ الْمُوَاعِدِينَ الْمُتَوَاعِدِينَ، وَالسِّرُّ الَّذِي بِمَعْنَى الْغِشْيَانِ، وَالْجِمَاعِ. فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ غَيْرُهُمَا، وَكَانَتِ الدَّلَالَةُ وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا غَيْرُ مَعْنِيٍّ بِهِ صَحَّ أَنَّ الْآخَرَ هُوَ الْمَعْنِيُّ بِهِ.