الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221) }
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هَلْ نَزَلَتْ مُرَادًا بِهَا كُلُّ مُشْرِكَةٍ، أَمْ مُرَادًا بِحُكْمِهَا بَعْضَ الْمُشْرِكَاتِ دُونَ بَعْضٍ؟ وَهَلْ نُسِخَ مِنْهَا بَعْدَ وُجُوبِ الْحُكْمِ بِهَا شَيْءٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ مُرَادًا بِهَا تَحْرِيمُ نِكَاحِ كُلِّ مُشْرِكَةٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مِنْ أَيِّ أَجْنَاسِ الشِّرْكِ كَانَتْ عَابِدَةَ وَثَنٍ أَوْ كَانَتْ يَهُودِيَّةً أَوْ نَصْرَانِيَّةً أَوْ مَجُوسِيَّةً أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَصْنَافِ الشِّرْكِ، ثُمَّ نُسِخَ تَحْرِيمُ نِكَاحِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ}
إِلَى {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} .
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُرَادًا بِحُكْمِهَا مُشْرِكَاتُ الْعَرَبِ لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ وَلَمْ يُسْتَثْنَ، إِنَّمَا هِيَ آيَةٌ، عَامُّ ظَاهِرِهَا خَاصُّ تَأْوِيلِهَا
عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ:" {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} "
يَعْنِي مُشْرِكَاتِ الْعَرَبِ اللَّاتِي لَيْسَ لَهُنَّ كِتَابٌ يَقْرَأْنَهُ""
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُرَادًا بِهَا كُلُّ مُشْرِكَةٍ مِنْ أَيِّ أَصْنَافِ الشِّرْكِ كَانَتْ غَيْرَ مَخْصُوصٍ مِنْهَا مُشْرِكَةٌ دُونَ مُشْرِكَةٍ، وَثَنِيَّةً كَانَتْ، أَوْ مَجُوسِيَّةً، أَوْ كِتَابِيَّةً، وَلَا نُسِخَ مِنْهَا شَيْءٌ.
وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا قَالَهُ قَتَادَةُ، مِنْ أَنِّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنَى بِقَوْلِهِ: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ}
مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْمُشْرِكَاتِ، وَأَنَّ الْآيَةَ عَامٌّ ظَاهِرُهَا خَاصٌّ بَاطِنُهَا، لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ، وَأَنَّ نِسَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرُ دَاخِلَاتٍ فِيهَا. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَحَلَّ بِقَوْلِهِ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ}
لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ نِكَاحِ مُحْصَنَاتِهِنَّ، مِثْلَ الَّذِي أَبَاحَ لَهُمْ مِنْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ. وَقَدْ بَيَّنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، وَفِي كِتَابِنَا «كِتَابِ اللَّطِيفِ مِنَ الْبَيَانِ» أَنَّ كُلَّ آيَتَيْنِ أَوْ خَبَرَيْنِ كَانَ أَحَدُهُمَا نَافِيًا حُكْمَ الْآخَرِ فِي فِطْرَةِ الْعَقْلِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقْضَى عَلَى أَحَدِهِمَا بِأَنَّهُ نَاسِخٌ حُكْمَ الْآخَرِ إِلَّا بِحُجَّةٍ مِنْ خَبَرٍ قَاطِعٍ لِلْعُذْرِ مَجِيئُهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ أنَّ قَوْلَهُ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}
نَاسِخٌ مَا كَانَ قَدْ وَجَبَ تَحْرِيمُهُ مِنَ النِّسَاءِ بِقَوْلِهِ: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ}
فَإِنُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَوْجُودًا كَذَلِكَ، فَقَوْلُ الْقَائِلِ: «هَذِهِ نَاسِخَةٌ هَذِهِ» دَعْوَى لَا بُرْهَانَ لَهُ عَلَيْهَا، وَالْمُدَّعِي دَعْوَى لَا بُرْهَانَ لَهُ عَلَيْهَا مُتَحَكِّمٌ، وَالتَّحَكُّمُ لَا يَعْجِزُ عَنْهُ أَحَدٌ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ تَفْرِيقِهِ بَيْنَ طَلْحَةَ، وَحُذَيْفَةَ وَامْرَأَتَيْهِمَا اللَّتَيْنِ كَانَتَا كِتَابِيِّتَيْنِ، فَقَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ لِخِلَافِهِ مَا الْأُمَّةُ مُجْتَمِعَةٌ عَلَى تَحْلِيلِهِ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ، وَخَبَرِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الْقَوْلِ خِلَافُ ذَلِكَ بِإِسْنَادٍ هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ.
قَالَ عُمَرُ: «الْمُسْلِمُ يَتَزَوَّجُ النَّصْرَانِيَّةَ، وَلَا يَتَزَوَّجُ النَّصْرَانِيُّ الْمُسْلِمَةَ» وَإِنَّمَا كَرِهَ عُمَرُ، لِطَلْحَةَ، وَحُذَيْفَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نِكَاحَ الْيَهُودِيَّةِ، وَالنَّصْرَانِيَّةِ، حَذَرًا مِنْ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمَا النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَيَزْهَدُوا فِي الْمُسْلِمَاتِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي، فَأَمَرَهُمَا بِتَخْلِيَتِهِمَا.
عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ:"تَزَوَّجَ حُذَيْفَةُ يَهُودِيَّةً، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: خَلِّ سَبِيلَهَا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَتَزْعُمُ أَنَّهَا حَرَامٌ فَأُخَلِّيَ سَبِيلَهَا؟ فَقَالَ: لَا أَزْعُمُ أَنَّهَا حَرَامٌ، وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَعَاطَوُا الْمُومِسَاتِ مِنْهُنَّ"
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَتَزَوَّجُ نِسَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا يَتَزَوَّجُونَ نِسَاءَنَا»
فَهَذَا الْخَبَرُ وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادِهِ مَا فِيهِ، فَالْقَوْلُ بِهِ لِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِهِ أَوْلَى مِنْ خَبَرِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَهْرَامَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ. فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا: وَلَا تَنْكِحُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مُشْرِكَاتٍ غَيْرَ أَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى يُؤْمِنَّ، فَيُصَدِّقْنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ.