وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: أَهَذَا رَبِّي عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ وَالتَّوْبِيخِ، أَيْ لَيْسَ هَذَا رَبِّي. وَقَالُوا: قَدْ تَفْعَلُ الْعَرَبُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَتَحْذِفُ الْأَلِفَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ. وَزَعَمُوا أَنَّ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
رَفُونِي وَقَالُوا يَا خُوَيْلِدُ لَا تُرَعْ ... فَقُلْتُ وَأَنْكَرْتُ الْوُجُوهَ هُمُ هُمُ
يَعْنِي: (أَهُمُ هُمُ؟) ، قَالُوا: وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَوْسٍ:
[البحر الطويل]
لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنْ كُنْتُ دَارِيًا ... شُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ أَمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنْقَرِ
بِمَعْنَى: أَشُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ؟ فَحَذَفَ الْأَلِفَ. وَنَظَائِرُ ذَلِكَ.
ثم قال:
وَفِي خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ قِيلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أَفَلَ الْقَمَرُ: {لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}
الدَّلِيلُ عَلَى خَطَأِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِي قَالَهَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ.
وَأَنَّ الصَّوَابَ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ: الْإِقْرَارُ بِخَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ عَنْهُ، وَالْإِعْرَاضُ عَمَّا عَدَاهُ.
أقول: لا أجد عذرا للطبري في رد هذه الوجوه القوية المضيئة، وما مسوغه في الإصرار على هذا التجني المقيت والافتراء البغيض على خليل الرحمن، وهل خبر الله هنا يفهم منه وقوع الخليل - حاشاه - في الشرك (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)
وقد ذكرنا أجوبة الإمام فخر الدين الرازي، وابن خمير على تلك الافتراءات عند الآية الكريمة.
بعد أن ذكر ما لا ينبغي ولا يحل ذكره من روايات واهية وأساطير فاسدة تطعن في عصمة نبي الله يوسف - عليه السلام - قال ما نصه:
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ عَنْ هَمِّ يُوسُفَ، وَامْرَأَةِ الْعَزِيزِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ، لَوْلَا أَنْ رَأَى يُوسُفُ بُرْهَانَ رَبِّهِ، وَذَلِكَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، زَجَرَتْهُ عَنْ رُكُوبِ مَا هَمَّ بِهِ يُوسُفُ مِنَ الْفَاحِشَةِ.
وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْآيَةُ صُورَةُ يَعْقُوبَ، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ صُورَةَ الْمَلِكِ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْوَعِيدُ فِي الْآيَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الزِّنَا، وَلَا حُجَّةَ لِلْعُذْرِ قَاطِعَةً بِأَيِّ ذَلِكَ مِنْ أَيٍّ.
وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَالْإِيمَانُ بِهِ، وَتَرْكُ مَا عَدَا ذَلِكَ إِلَى عَالِمِهِ. انتهى كلامه.
أقول: بل الحجة قائمة على عصمة الأنبياء - عليهم السلام -، وفساد هذه الأخبار الزائفة والروايات المختلقة. والله أعلم.
وَقَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) }
وَقَوْلُهُ: {لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينَ}
يَقُولُ: لَيَسْجُنُنَّهُ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي يَرَوْنَ فِيهِ رَأْيَهُمْ. وَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْحَبْسَ لِيُوسُفَ فِيمَا ذُكِرَ عُقُوبَةً لَهُ مِنْ هَمِّهِ بِالْمَرْأَةِ وَكَفَّارَةً لِخَطِيئَتِهِ.
أقول: الأولى مراعاة الأدب مع أنبياء الله ورسله - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - ويكفي في رد هذا الافتراء قولُ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْمَرْأَةِ «وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ» . والله أعلم.
وَقَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) }
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَهَابِهِ مُغَاضِبًا، وَعَمَّنْ كَانَ ذَهَابُهُ، وَعَلَى مَنْ كَانَ غَضَبُهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ ذَهَابُهُ عَنْ قَوْمِهِ وَإِيَّاهُمْ غَاضَبَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: ذَهَبَ عَنْ قَوْمِهِ مُغَاضِبًا لِرَبِّهِ، إِذْ كُشِفَ عَنْهُمُ الْعَذَابُ بَعْدَمَا وَعَدَهُمُوهُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ، أَعْنِي قَوْلَ مَنْ قَالَ: ذَهَبَ عَنْ قَوْمِهِ مُغَاضِبًا لِرَبِّهِ، أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، وَذَلِكِ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ}
عَلَى ذَلِكَ.