يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ, فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي حَجِّهِ وَصِيَامِ سَبْعَةِ أَيَّامٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ وَمِصْرِهِ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: أَوَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ صَوْمُ السَّبْعَةِ الْأَيَّامِ بَعْدَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي يَصُومُهُنَّ فِي الْحَجِّ إِلَّا بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَى مِصْرِهِ وأَهْلِهِ؟
قِيلَ: بَلْ قَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ صَوْمَ الْأَيَّامِ الْعَشَرَةِ بِعَدَمِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي لِمُتْعَتِهِ, وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ رَأْفَةً مِنْهُ بِعِبَادِهِ رَخَّصَ لِمَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ, كَمَا رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ، الْمَرِيضِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ الْإِفْطَارَ وَقَضَاءَ عِدَّةِ مَا أَفْطَرَ مِنَ الْأَيَّامِ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.
وَلَوْ تَحَمَّلَ الْمُتَمَتِّعُ فَصَامَ الْأَيَّامَ السَّبْعَةَ فِي سَفَرِهِ قَبْلَ رُجُوعِهِ إِلَى وَطَنِهِ, أَوْ صَامَهُنَّ بِمَكَّةَ, كَانَ مُؤَدِّيًا مَا عَلَيْهِ مِنْ فَرْضِ الصَّوْمِ فِي ذَلِكَ, وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الصَّائِمِ شَهْرَ رَمَضَانَ فِي سَفَرِهِ، أَوْ مَرَضِهِ, مُخْتَارًا لِلْعُسْرِ عَلَى الْيَسَرِ. وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَتْ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ.
عَنْ إِبْرَاهِيمَ: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ}
قَالَ: «إِنْ شِئْتَ فِي الطَّرِيقِ, وَإِنْ شِئْتَ بَعْدَمَا تَقْدَمُ إِلَى أَهْلِكَ»
فَإِنْ قَالَ: وَمَا بُرْهَانُكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ}
إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَهْلِيكُمْ، وَأَمْصَارِكُمْ دُونَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: إِذَا رَجَعْتُمْ مِنْ مِنًى إِلَى مَكَّةَ؟
قِيلَ: إِجْمَاعُ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ مَا قُلْنَا دُونَ غَيْرِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {كَامِلَةٌ} ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَصِيَامُ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ فِي الْحَجِّ وَالسَّبْعَةِ الْأَيَّامِ بَعْدَمَا يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ مِنَ الْهَدْيِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: كَمَلَتْ لَكُمْ أَجْرُ مَنْ أَقَامَ عَلَى إِحْرَامِهِ وَلَمْ يَحِلَّ وَلَمْ يَتَمَتَّعْ تَمَتُّعَكُمْ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ الْأَمْرُ وَإِنْ كَانَ مَخْرَجُهُ مَخْرَجَ الْخَبَرِ, وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}
تِلْكَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ فَأَكْمِلُوا صَوْمَهَا لَا تَقْصُرُوا عَنْهَا, لِأَنَّهُ فَرَضَ عَلَيْكُمْ صَوْمَهَا.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ قَوْلُهُ: {كَامِلَةٌ}
تَوْكِيدٌ لِلْكَلَامِ, كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: سَمِعْتُهُ بِأُذُنَيَّ، وَرَأَيْتُهُ بِعَيْنَيَّ, وَكَمَا قَالَ: {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} ، وَلَا يَكُونُ الْخَرُّ إِلَّا مِنْ فَوْقٍ, فَأَمَّا مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ فَإِنَّمَا يَجُوزُ عَلَى سَعَةِ الْكَلَامِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا قَالَ: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}
وَقَدْ ذَكَرَ سَبْعَةً وَثَلَاثَةً, لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهَا مُجْزِئَةٌ وَلَيْسَ يُخْبِرُ عَنْ عِدَّتِهَا, وَقَالُوا: أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَهُ: كَامِلَةٌ إِنَّمَا هُوَ وَافِيَةٌ؟
وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ عَلَيْكُمْ فَرَضْنَا إِكْمَالَهَا. وَذَلِكَ أَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: فَمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ, ثُمَّ قَالَ: تِلْكَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ عَلَيْكُمْ إِكْمَالُ صَوْمِهَا لِمُتْعَتِكُمْ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ. فَأَخْرَجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ, وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ بِهَا.