فهرس الكتاب

الصفحة 4162 من 6201

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ الِابْتِدَاءُ فِي صَوْمِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} ، وَالْوَقْتُ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ فِيهِ صَوْمُهُنَّ, وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِيهِ صَوْمُهُنَّ.

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَهُ أَنْ يَصُومُهُنَّ مِنْ أَوَّلِ أَشْهُرِ الْحَجِّ.

وَقَالَ آخَرُونَ: يَصُومُهُنَّ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ دُونَ غَيْرِهَا.

وَقَالَ آخَرُونَ: لَهُ أَنْ يَصُومُهُنَّ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ

وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومُهُنَّ إِلَّا بَعْدَمَا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ «يُجْزِيهِ إِذَا صَامَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ»

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ لِلْمُتَمَتِّعِ أَنْ يَصُومَ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ صَوْمَهُنَّ لِمُتْعَتِهِ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ مِنْ أَوَّلِ إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ بَعْدَ قَضَاءِ عُمْرَتِهِ وَاسْتِمْتَاعِهِ بِالْإِحْلَالِ إِلَى حَجِّهِ إِلَى انْقِضَاءِ آخِرِ عَمَلِ حَجِّهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَيَّامِ مِنًى سِوَى يَوْمِ النَّحْرِ, فَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُ صَوْمُهُ ابْتَدَأَ صَوْمَهُنَّ قَبْلَهُ أَوْ تَرَكَ صَوْمَهُنَّ فَأَخَّرَهُ حَتَّى انْقِضَاءِ يَوْمِ عَرَفَةَ.

وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَهُ صَوْمُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعِلَّةِ لِقَائِلِ ذَلِكَ قَبْلُ, فَإِنْ صَامَهُنَّ قَبْلَ إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُجْزِئٍ صَوْمُهُ ذَلِكَ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنَ الصَّوْمِ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ لِمُتْعَتِهِ ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ إِنَّمَا أَوْجَبَ الصَّوْمَ عَلَى مَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا مِمَّنِ اسْتَمْتَعَ بِعُمْرَتِهِ إِلَى حَجِّهِ, فَالْمُعْتَمِرُ قَبْلَ إِحْلَالِهِ مِنْ عُمْرَتِهِ وَقَبْلَ دُخُولِهِ فِي حَجِّهِ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ اسْمَ مُتَمَتِّعٍ بِعُمْرَتِهِ إِلَى حَجِّهِ, وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ قَبْلَ إِحْرَامِهِ: مُعْتَمِرٌ، حَتَّى يَدْخُلَ بَعْدَ إِحْلَالِهِ فِي الْحَجِّ قَبْلَ شُخُوصِهِ عَنْ مَكَّةَ, فَإِذَا دَخَلَ فِي الْحَجِّ مُحْرِمًا بِهِ بَعْدَ قَضَاءِ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَمُقَامِهِ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ عُمْرَتِهِ حَلَالًا حَتَّى حَجَّ مِنْ عَامِهِ سُمِّيَ مُتَمَتِّعًا.

فَإِذَا اسْتَحَقَّ اسْمَ مُتَمَتِّعٍ لَزِمَهُ الْهَدْيُ, وَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ الصَّوْمُ بِعَدَمِهِ الْهَدْيَ إِنْ عَدَمَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ.

فَأَمَّا إِنْ صَامَهُ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الْحَجِّ وَإِنْ كَانَ مِنْ نِيَّتِهِ الْحَجُّ, فَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ صَامَ صَوْمًا يَنْوِي بِهِ قَضَاءً عَمَّا عَسَى أَنْ يَلْزَمَهُ أَوْ لَا يَلْزَمَهُ, فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ رَجُلٍ مُعْسِرٍ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَنْوِي بِصَوْمِهِنَّ كَفَّارَةَ يَمِينٍ لِيَمِينٍ يُرِيدُ أَنْ يَحْلِفَ بِهَا وَيَحْنَثَ فِيهَا, وَذَلِكَ مَا لَا خِلَافَ بَيْنَ الْجَمِيعِ أَنَّهُ غَيْرُ مُجْزِئٍ مِنْ كَفَّارَةٍ إِنْ حَلَفَ بِهَا بَعْدَ الصَّوْمِ فَحَنِثَ.

فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ صَوْمَ الْمُعْتَمِرِ بَعْدَ إِحْلَالِهِ مِنْ عُمْرَتِهِ أَوْ قَبْلَهُ وَقَبْلَ دُخُولِهِ فِي الْحَجِّ مُجْزِئٌ عَنْهُ مِنَ الصَّوْمِ الَّذِي أَوْجَبُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ إِنْ تَمَتَّعَ بِعُمْرَتِهِ إِلَى الْحَجِّ, نَظِيرُ مَا أَجْزَأَ الْحَالِفُ بِيَمِينٍ إِذَا كَفَّرَ عَنْهَا قَبْلَ حِنْثِهِ فِيهَا بَعْدَ حَلِفِهِ بِهَا فَقَدْ ظَنَّ خَطَأً ; لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَعَلَ لِلْيَمِينِ تَحْلِيلًا هُوَ غَيْرُ تَكْفِيرٍ, فَالْفَاعِلُ فِيهَا قَبْلَ الْحِنْثِ فِيهَا مَا يَفْعَلُهُ الْمُكَفِّرُ بَعْدَ حِنْثِهِ فِيهَا مُحَلِّلٌ غَيْرُ مُكَفِّرٍ. وَالْمُتَمَتِّعُ إِذَا صَامَ قَبْلَ تَمَتُّعِهِ صَائِمٌ تَكْفِيرًا لِمَا يَظُنُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ وَلِمَا يَلْزَمُهُ, وَهُوَ كَالْمُكَفِّرِ عَنْ قَتْلِ صَيْدٍ يُرِيدُ قَتْلَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ قَبْلَ قَتْلِهِ, وَعَنْ تَطَيُّبٍ قَبْلَ تَطَيُّبِهِ. وَمَنْ أَبَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ مِمَّنْ زَعَمَ أَنَّ لِلْمُعْتَمِرِ الصَّوْمَ قَبْلَ إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ, قِيلَ لَهُ: مَا قُلْتَ فِيمَنْ كَفَّرَ مِنَ الْمُحْرِمِينَ عَنِ الْوَاجِبِ عَلَى مَنْ تَرَكَ رَمْيَ الْجَمَرَاتِ أَيَّامَ مِنًى يَوْمَ عَرَفَةَ, وَهُوَ يَنْوِي تَرْكَ الْجَمَرَاتِ, ثُمَّ أَقَامَ بِمِنًى أَيَّامَ مِنًى حَتَّى انْقَضَتْ تَارِكًا رَمْيَ الْجَمَرَاتِ, هَلْ يُجْزِيهِ تَكْفِيرُهُ ذَلِكَ عَنِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ مَا تَرَكَ مِنْ ذَلِكَ؟

فَإِنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِيهِ, سُئِلَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ الَّتِي أَوْجَبَ اللَّهُ فِي تَضْيِيعِهِ عَلَى الْمُحْرِمِ أَوْ فِي فِعْلِهِ كَفَّارَةً, فَإِنْ سَوَّى بَيْنَ جَمِيعِ ذَلِكَ قَادَ قَوْلَهُ, وَسُئِلَ عَنْ نَظِيرِ ذَلِكَ فِي الْعَازِمِ عَلَى أَنْ يُجَامِعَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ, وَهُوَ مُقِيمٌ صَحِيحٌ إِذَا كَفَّرَ قَبْلَ دُخُولِ الشَّهْرِ, وَدَخَلَ الشَّهْرُ فَفَعَلَ مَا كَانَ عَازِمًا عَلَيْهِ هَلْ تُجْزِيهِ كَفَّارَتُهُ الَّتِي كَفَّرَ عَنِ الْوَاجِبِ مِنْ وَطْئِهِ ذَلِكَ, وَكَذَلِكَ يُسْأَلُ عَمَّنْ أَرَادَ أَنْ يُظَاهِرَ مِنِ امْرَأَتِهِ, فَإِنْ قَادَ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ خَرَجَ مِنْ قَوْلِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ. وَإِنْ أَبَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ سُئِلَ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّائِمِ لِمُتْعَتِهِ قَبْلَ تَمَتُّعِهِ وَقَبْلَ إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ, ثُمَّ عُكِسَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ, فَلَنْ يَقُولَ فِي أَحَدِهِمَا شَيْئًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت