فهرس الكتاب

الصفحة 2210 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ(116)}

يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا}

الَّذِينَ مَنَعُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، {وَقَالُوا}

مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: {وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} . وَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا، وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وَهُمُ النَّصَارَى الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ عِيسَى ابْنُ اللَّهِ؟ فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُكَذِّبًا قِيلَهُمْ مَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ وَمُنْتَفِيًا مِمَّا نَحَلُوهُ وَأَضَافُوا إِلَيْهِ بِكَذِبِهِمْ وَفِرْيَتِهِمْ: {سُبْحَانَهُ}

يَعْنِي بِهَا: تَنْزِيهًا وَتَبْرِيئًا مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، وَعُلُوًّا وَارْتِفَاعًا عَنْ ذَلِكَ.

وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ: «سُبْحَانَ اللَّهِ» .

ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مُلْكًا وَخَلْقًا، وَمَعْنَى ذَلِكَ: وَكَيْفَ يَكُونُ الْمَسِيحُ لِلَّهِ وَلَدًا، وَهُوَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْأَمَاكِنِ إِمَّا فِي السَّمَاوَاتِ، وَإِمَّا فِي الْأَرْضِ، وَلِلَّهِ مُلْكُ مَا فِيهِمَا؟ وَلَوْ كَانَ الْمَسِيحُ ابْنًا كَمَا زَعَمْتُمْ لَمْ يَكُنْ كَسَائِرِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ خَلْقِهِ وَعَبِيدِهِ فِي ظُهُورِ آيَاتِ الصَّنْعَةِ فِيهِ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}

اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: مُطِيعُونَ

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ كُلٌّ لَهُ مُقِرُّونَ بِالْعُبُودِيَّةِ.

وَقَالَ آخَرُونَ:"كُلٌّ لَهُ قَائِمٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"

وَالْقُنُوتُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مُعَانٍ: أَحَدُهَا الطَّاعَةُ، وَالْآخَرُ الْقِيَامُ، وَالثَّالِثُ الْكَفُّ عَنِ الْكَلَامِ وَالْإِمْسَاكُ عَنْهُ.

وَأَوْلَى مَعَانِي الْقُنُوتِ فِي قَوْلِهِ: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}

الطَّاعَةُ وَالْإِقْرَارُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْعُبُودِيَّةِ بِشَهَادَةِ أَجْسَامِهِمْ بِمَا فِيهَا مِنْ آثَارِ الصَّنْعَةِ، وَالدَّلَالَةِ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ بَارِئُهَا وَخَالِقُهَا. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَكْذَبَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ لِلَّهِ وَلَدًا بِقَوْلِهِ: بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مُلْكًا وَخَلْقًا. ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ جَمِيعِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّهَا مُقِرَّةٌ بِدَلَالَتِهَا عَلَى رَبِّهَا وَخَالِقِهَا، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَارِئُهَا وَصَانِعُهَا. وَإِنْ جَحَدَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فَأَلْسِنَتُهُمْ مُذْعِنَةٌ لَهُ بِالطَّاعَةِ بِشَهَادَتِهَا لَهُ بِآثَارِ الصَّنْعَةِ الَّتِي فِيهَا بِذَلِكَ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ أَحَدُهُمْ، فَأَنَّى يَكُونُ لِلَّهِ وَلَدًا وَهَذِهِ صِفَتُهُ؟

وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ مَنْ قَصُرَتْ مَعْرِفَتُهُ عَنْ تَوْجِيهِ الْكَلَامِ وِجْهَتَهُ أَنَّ قَوْلَهُ: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}

خَاصَّةٌ لِأَهْلِ الطَّاعَةِ وَلَيْسَتْ بِعَامَّةٍ. وَغَيْرُ جَائِزٍ ادِّعَاءُ خُصُوصٍ فِي آيَةٍ عَامٌّ ظَاهِرُهَا إِلَّا بِحَجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا لِمَا قَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِنَا: «كِتَابِ الْبَيَانِ عَنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ» وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ أَنَّ الْمَسِيحَ الَّذِي زَعَمَتِ النَّصَارَى أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ مُكَذِّبُهُمْ هُوَ وَالسَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَا فِيهَا، إِمَّا بِاللِّسَانِ، وَإِمَّا بِالدَّلَالَةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ عَنْ جَمِيعِهِمْ بِطَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ وَإِقْرَارِهِمْ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ عُقَيْبَ قَوْلِهِ: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا}

فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت