اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: {فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} وَآمَنَّا بِأَنَّهُ تَعَالَى أَمْرُ رَبِّنَا وَسُلْطَانِهِ وَقُدْرَتِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِذَلِكَ جَلَالُ رَبِّنَا وَذِكْرُهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: تَعَالَى غِنَى رَبِّنَا.
وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِذَلِكَ الْجَدُّ الَّذِي هُوَ أَبُو الْأَبِ، قَالُوا: ذَلِكَ كَانَ مِنْ كَلَامِ جَهَلَةِ الْجِنِّ.
وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِذَلِكَ: ذِكْرُهُ.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِذَلِكَ: تَعَالَتْ عَظَمَةُ رَبِّنَا وَقُدْرَتُهُ وَسُلْطَانُهُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِأَنَّ لِلْجَدِّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْجَدُّ الَّذِي هُوَ أَبُو الْأَبِ، أَوْ أَبُو الْأُمِّ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُوصَفَ بِهِ هَؤُلَاءِ النَّفْرُ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الصَّفَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا: فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا وَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِأَنَّ لَهُ وَلَدًا أَوْ جَدًّا أَوْ هُوَ أَبُو أَبٍ أَوْ أَبُو أُمٍّ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَالْمَعْنَى الْآخَرُ: الْجَدُّ الَّذِي بِمَعْنَى الْحَظِّ؛ يُقَالُ: فُلَانٌ ذُو جَدٍّ فِي هَذَا الْأَمْرِ: إِذَا كَانَ لَهُ حَظٌّ فِيهِ، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ: الْبَخْتُ، وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَهُ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ مِنَ الْجِنِّ بِقِيلِهِمْ: وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَإِنَّمَا عَنَوْا أَنَّ حَظْوَتَهُ مِنَ الْمُلْكِ وَالسُّلْطَانِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعَظَمَةِ عَالِيَةٌ، فَلَا يَكُونُ لَهُ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ، لِأَنَّ الصَّاحِبَةَ إِنَّمَا تَكُونُ لِلضَّعِيفِ الْعَاجِزِ الَّذِي تَضْطَرُّهُ الشَّهْوَةُ الْبَاعِثَةُ إِلَى اتِّخَاذِهَا، وَأَنَّ الْوَلَدَ إِنَّمَا يَكُونُ عَنْ شَهْوَةٍ أَزْعَجَتْهُ إِلَى الْوِقَاعِ الَّذِي يَحْدُثُ مِنْهُ الْوَلَدُ، فَقَالَ النَّفْرُ مِنَ الْجِنِّ: عَلَا مُلْكُ رَبِّنَا وَسُلْطَانُهُ وَقُدْرَتُهُ وَعَظَمَتُهُ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا ضَعْفَ خَلْقِهِ الَّذِينَ تَضْطَرُّهُمُ الشَّهْوَةُ إِلَى اتِّخَاذِ صَاحِبَةٍ، أَوْ وِقَاعِ شَيْءٍ يَكُونُ مِنْهُ وَلَدٌ.
وَقَدْ بَيَّنَ عَنْ صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ إِخْبَارُ اللَّهِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ إِنَّمَا نَزَّهُوا اللَّهَ عَنِ اتِّخَاذِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ بِقَوْلِهِ: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا}