اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى شُهُودِ الشَّهْرِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَقَامُ الْمُقِيمِ فِي دَارِهِ، قَالُوا: فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ وَهُوَ مُقِيمٌ فِي دَارِهِ فَعَلَيْهِ صَوْمُ الشَّهْرِ كُلِّهِ، غَابَ بَعْدَ مُسَافِرٍ أَوْ أَقَامَ فَلَمْ يَبْرَحْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ مَا شَهِدَ مِنْهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}
يَعْنِي فَمَنْ شَهِدَهُ عَاقِلًا بَالِغًا مُكَلَّفًا فَلْيَصُمْهُ.
وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، كَانُوا يَقُولُونَ: مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ وَهُوَ صَحِيحٌ عَاقِلٌ بَالِغٌ فَعَلَيْهِ صَوْمُهُ، فَإِنْ جَنَّ بَعْدَ دُخُولِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْنَا، ثُمَّ أَفَاقَ بَعْدَ انْقِضَائِهِ لَزِمَهُ قَضَاءُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ أَيَّامِ الشَّهْرِ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ شَهِدَهُ وَهُوَ مِمَّنْ عَلَيْهِ فُرِضَ قَالُوا: وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ وَهُوَ مَجْنُونٌ إِلَّا أَنَّهُ مِمَّنْ لَوْ كَانَ صَحِيحَ الْعَقْلِ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُهُ، فَلَنْ يَنْقَضِيَ الشَّهْرُ حَتَّى صَحَّ وَبَرَأَ أَوْ أَفَاقَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الشَّهْرِ بِيَوْمٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَ صَوْمِ الشَّهْرِ كُلِّهِ سِوَى الْيَوْمِ الَّذِي صَامَهُ بَعْدَ إِفَاقَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ قَدْ شَهِدَ الشَّهْرَ قَالُوا: وَلَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ وَهُوَ مَجْنُونٌ فَلَمْ يُفِقْ حَتَّى انْقَضَى الشَّهْرُ كُلُّهُ ثُمَّ أَفَاقَ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ شَيْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ شَهِدَهُ مُكَلَّفًا صَوْمُهُ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ لَا مَعْنَى لَهُ، لِأَنَّ الْجُنُونَ إِنْ كَانَ يَسْقُطُ عَمَّنْ كَانَ بِهِ فَرْضُ الصَّوْمِ مِنْ أَجْلِ فَقْدِ صَاحِبِهِ عَقْلَهُ جَمِيعَ الشَّهْرِ فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبِيلَ كُلِّ مَنْ فَقَدَ عَقْلَهُ جَمِيعَ شَهْرِ الصَّوْمِ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ مَنْ فَقَدَ عَقْلَهُ جَمِيعَ شَهْرِ الصَّوْمِ بِإِغْمَاءٍ أَوْ بِرْسَامٍ، ثُمَّ أَفَاقَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الشَّهْرِ أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَ الشَّهْرِ كُلِّهِ.
وَلَمْ يُخَالِفْ ذَلِكَ أَحَدٌ يَجُوزُ الِاعْتِرَاضُ بِهِ عَلَى الْأُمَّةِ، وَإِذَا كَانَ إِجْمَاعًا فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ سَبِيلُ كُلِّ مَنْ كَانَ زَائِلَ الْعَقْلِ جَمِيعَ شَهْرِ الصَّوْمِ سَبِيلَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ تَأْوِيلَ الْآيَةِ غَيْرُ الَّذِي تَأَوَّلَهَا قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ مِنْ أَنَّهُ شُهُودُ الشَّهْرِ أَوْ بَعْضِهِ مُكَلَّفًا صَوْمُهُ. وَإِذَا بَطَلَ ذَلِكَ، فَتَأْوِيلُ الْمُتَأَوِّلِ الَّذِي زَعَمَ أَنَّ مَعْنَاهُ: فَمَنْ شَهِدَ أَوَّلَهُ مُقِيمًا حَاضِرًا فَعَلَيْهِ صَوْمُ جَمِيعِهِ أَبْطَلَ وَأَفْسَدَ لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بَعْدَ مَا صَامَ بَعْضَهُ وَأَفْطَرَ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْإِفْطَارِ.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِثَمَانَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، فَلَمْ يَعِبِ الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ، وَلَا الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ» فَإِذَا كَانَا فَاسِدَيْنِ هَذَانِ التَّأْوِيلَانِ بِمَا عَلَيْهِ دَلَّلْنَا مِنْ فَسَادِهِمَا، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنَ التَّأْوِيلِ هُوَ الثَّالِثُ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}
جَمِيعَ مَا شَهِدَ مِنْهُ مُقِيمًا، وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.