فهرس الكتاب

الصفحة 2485 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(129)}

وَهَذِهِ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً، وَهِيَ الدَّعْوَةُ الَّتِي كَانَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَبُشْرَى عِيسَى»

وَيَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ}

يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ كِتَابَكَ الَّذِي تُوحِيهِ إِلَيْهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}

وَيَعْنِي بِالْكِتَابِ الْقُرْآنَ.

وَقَدْ بَيَّنْتُ فِيمَا مَضَى لِمَ سُمِّيَ الْقُرْآنُ كِتَابًا وَمَا تَأْوِيلُهُ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْحِكْمَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ السُّنَّةُ

وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْحِكْمَةُ هِيَ الْمَعْرِفَةُ بِالدَّيْنِ وَالْفِقْهُ فِيهِ.

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا فِي الْحِكْمَةَ، أَنَّهَا الْعِلْمُ بِأَحْكَامِ اللَّهِ الَّتِي لَا يُدْرَكُ عِلْمُهَا إِلَّا بِبَيَانِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَعْرِفَةِ بِهَا، وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ نَظَائِرِهِ. وَهُوَ عِنْدِي مَأْخُوذٌ مِنَ الْحُكْمِ الَّذِي بِمَعْنَى الْفَصْلِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ بِمَنْزِلَةِ الْجِلْسَةِ وَالْقِعْدَةِ مِنَ الْجُلُوسِ وَالْقُعُودِ، يُقَالُ مِنْهُ: إِنَّ فُلَانًا لِحَكِيمٌ بَيِّنُ الْحِكْمَةِ، يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ لَبَيِّنُ الْإِصَابَةِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ.

وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ، وَيُعَلِّمُهُمْ كِتَابَكَ الَّذِي تُنَزِّلُهُ عَلَيْهِمْ، وَفَصْلَ قَضَائِكَ، وَأَحْكَامَكَ الَّتِي تُعَلِّمُهُ إِيَّاهَا.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُزَكِّيهِمْ}

قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى التَّزْكِيَةِ: التَّطْهِيرُ، وَأَنَّ مَعْنَى الزَّكَاةِ: النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ. فَمَعْنَى قَوْلِهِ: {وَيُزَكِّيهِمْ}

فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: وَيُطَهِّرُهُمْ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَعُبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَيُنَمِّيهِمْ وَيُكَثِّرُهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: إِنَّكَ يَا رَبُّ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْقَوِيُّ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ أَرَادَهُ، فَافْعَلْ بِنَا وَبِذُرِّيَّتِنَا مَا سَأَلْنَاهُ وَطَلَبْنَاهُ مِنْكَ. وَالْحَكِيمُ: الَّذِي لَا يَدْخُلُ تَدْبِيرَهُ خَلَلٌ وَلَا زَلَلٌ، فَأَعْطِنَا مَا يَنْفَعُنَا وَيَنْفَعُ ذُرِّيَّتَنَا، وَلَا يَنْقُصُكَ وَلَا يَنْقُصُ خَزَائِنَكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت