فهرس الكتاب

الصفحة 3915 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{فَإِنِ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}

اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْإِحْصَارِ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ عَلَى مِنَ ابْتُلِيَ بِهِ فِي حَجِّهِ، وَعُمْرَتِهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ كُلُّ مَانِعٍ، أَوْ حَابِسٍ مَنَعَ الْمُحْرِمَ، وَحَبْسَهُ عَنِ الْعَمَلِ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي إِحْرَامِهِ وَوُصُولِهِ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلِهِ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ}

فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ يَقُولُ «مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ، أَوْ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ حُبِسَ عَنِ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ يَجْهَدُهُ، أَوْ عُذْرٍ يَحْبِسُهُ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا»

وَعِلَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ أَنَّ الْإِحْصَارَ مَعْنَاهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: مَنْعُ الْعِلَّةِ مِنَ الْمَرَضِ، وَأَشْبَاهِهِ غَيْرَ الْقَهْرِ، وَالْغَلَبَةِ مِنْ قَاهِرٍ أَوْ غَالِبٍ إِلَّا غَلَبَةَ عِلَّةٍ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ لَدْغٍ، أَوْ جِرَاحَةً، أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ، أَوْ كَسْرِ رَاحِلَةٍ. فَأَمَّا مَنْعُ الْعَدُوِّ، وَحَبْسُ حَابِسٍ فِي سِجْنٍ، وَغَلَبَةُ غَالِبٍ حَائِلٌ بَيْنَ الْمُحْرِمِ وَالْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ مِنْ سُلْطَانٍ، أَوْ إِنْسَانٍ قَاهِرٍ مَانِعٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ حَصْرًا لَا إِحْصَارًا. قَالُوا: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا}

يَعْنِي بِهِ: حَاصِرًا: أَيْ حَابِسًا. قَالُوا: وَلَوْ كَانَ حَبْسُ الْقَاهِرِ الْغَالِبِ مِنْ غَيْرِ الْعِلَلِ الَّتِي وَصَفْنَا يُسَمَّى إِحْصَارًا لَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ: قَدِ أُحْصِرَ الْعَدُوُّ. قَالُوا: وَفِي اجْتِمَاعِ لُغَاتِ الْعَرَبِ عَلَى «حُوصِرَ الْعَدُوُّ» و «الْعَدُوُّ مُحَاصِرٌ» ، دُونَ «أُحْصِرَ الْعَدُوُّ» و «هُمْ مَحْصُرُونَ» ، و «أُحْصِرَ الرَّجُلُ» بِالْعِلَّةِ مِنَ الْمَرَضِ، وَالْخَوْفِ، أَكْبَرُ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ}

بِمَرَضٍ، أَوْ خَوْفٍ، أَوْ عِلَّةٍ مَانِعَةٍ. قَالُوا: وَإِنَّمَا جَعَلْنَا حَبْسَ الْعَدُوِّ وَمَنْعِهِ الْمُحْرِمَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ بِمَعْنَى حَصْرِ الْمَرَضِ قِيَاسًا عَلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ ذَلِكَ لِلْمَرِيضِ الَّذِي مَنَعَهُ الْمَرَضُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ، لَا بِدَلَالَةِ ظَاهِرِ قَوْلِهِ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}

إِذْ كَانَ حَبْسُ الْعَدُوِّ وَالسُّلْطَانِ، وَالْقَاهِرِ عِلَّةً مَانِعَةً، نَظِيرَةُ الْعِلَّةُ الْمَانِعَةُ مِنَ الْمَرَضِ وَالْكَسْرِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}

فَإِنْ حَبَسَكُمْ عَدُوٌّ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ، أَوْ حَابِسٌ قَاهِرٌ مِنْ بَنِي آدَمَ. قَالُوا: فَأَمَّا الْعِلَلٌ الْعَارِضَةُ فِي الْأَبْدَانِ كَالْمَرَضِ، وَالْجِرَاحِ، وَمَا أَشْبَهَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي قَوْلِهِ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ}

وَسُئِلَ مَالِكٌ، عَمَّنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ؟ فَقَالَ"يُحِلُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَيَنْحَرُ هَدْيَهُ، وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ حَيْثُ يُحْبَسُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَحُجَّ قَطُّ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ. قَالَ: وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ بِمَرَضٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، أَنْ يَبْدَأَ بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَيَفْتَدِيَ، ثُمَّ يَجْعَلُهَا عُمْرَةً، وَيَحِجُّ عَامًا قَابِلًا وَيُهْدِي"

وَعِلَّةُ مَنْ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ أَعِنِّي مَنْ قَالَ قَوْلَ مَالِكٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي حَصْرِ الْمُشْرِكِينَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ عَنِ الْبَيْتِ، فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَمَنْ مَعَهُ بِنَحْرِ هَدَايَاهُمْ وَالْإِحْلَالِ. قَالُوا: فَإِنَّمَا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فِي حَصْرِ الْعَدُوِّ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصْرِفَ حُكْمَهَا إِلَى غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ قَالُوا: وَأَمَّا الْمَرِيضُ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يُطِقْ لِمَرَضِهِ السَّيْرَ حَتَّى فَاتَتْهُ عَرَفَةُ، فَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ فَاتَهُ الْحَجُّ، عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْ إِحْرَامِهِ بِمَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَلَيْسَ مِنْ مَعْنَى الْمُحْصَرِ الَّذِي نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي شَأْنِهِ.

وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي قَوْلِهِ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ}

تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ بِمَعْنَى: فَإِنْ أَحْصَرَكُمْ خَوْفُ عَدُوٍّ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ عِلَّةٍ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ، أَيْ صَيَّرَكُمْ خَوْفُكُمْ، أَوْ مَرَضُكُمْ تُحْصِرُونَ أَنْفُسَكُمْ، فَتَحْبِسُونَهَا عَنِ النُّفُوذِ لِمَا أَوْجَبْتُمُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ. فَلِذَا قِيلَ «أُحْصِرْتُمْ» لَمَّا أَسْقَطَ ذِكْرَ الْخَوْفِ، وَالْمَرَضِ. يُقَالُ مِنْهُ: أَحْصَرَنِي خَوْفِي مِنْ فُلَانٍ عَنْ لِقَائِكَ، وَمَرَضِي عَنْ فُلَانٍ، يُرَادُ بِهِ: جَعَلَنِي أَحْبِسُ نَفْسِي عَنْ ذَلِكَ. فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْحَابِسُ الرَّجُلَ وَالْإِنْسَانَ، قِيلَ: حَصَرَنِي فُلَانٌ عَنْ لِقَائِكَ، بِمَعْنَى حَبَسَنِي عَنْهُ. فَلَوْ كَانَ مَعْنَى الْآيَةِ مَا ظَنَّهُ الْمُتَأَوِّلُ مِنْ قَوْلِهِ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ}

فَإِنْ حَبَسَكُمْ حَابِسٌ مِنَ الْعَدُوِّ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ: فَإِنْ حُصِرْتُمْ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ صِحَّةَ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ تَأْوِيلَ الْآيَةِ مُرَادٌ بِهَا إِحْصَارُ غَيْرِ الْعَدُوِّ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يُرَادُ بِهَا الْخَوْفُ مِنَ الْعَدُوِّ، قَوْلِهِ: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ}

وَالْأَمْنُ إِنَّمَا يَكُونُ بِزَوَالِ الْخَوْفِ.

وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِحْصَارَ الَّذِي عَنَى اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ الْخَوْفُ الَّذِي يَكُونُ بِزَوَالِهِ الْأَمْنُ.

وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ حَبْسُ الْحَابِسِ الَّذِي لَيْسَ مَعَ حَبْسِهِ خَوْفٌ عَلَى النَّفْسِ مِنْ حَبْسِهِ دَاخِلًا فِي حُكْمِ الْآيَةِ بِظَاهِرِهَا الْمَتْلُوِّ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَلْحَقُ حُكْمُهُ عِنْدَنَا بِحُكْمِهِ مِنْ وَجْهِ الْقِيَاسِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ حَبْسَ مَنْ لَا خَوْفَ عَلَى النَّفْسِ مِنْ حَبْسِهِ كَالسُّلْطَانِ غَيْرِ الْمَخُوفَةِ عُقُوبَتُهُ، وَالْوَالِدِ، وَزَوْجِ الْمَرْأَةِ، إِنْ كَانَ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ بَعْضِهِمْ حَبْسٌ، وَمَنْعٌ عَنِ الشُّخُوصِ لِعَمَلِ الْحَجِّ، أَوِ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ بَعْدِ إِيجَابِ الْمَمْنُوعِ الْإِحْرَامَ، غَيْرَ دَاخِلٍ فِي ظَاهِرِ قَوْلِهِ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ}

لِمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنِّ مَعْنَاهُ: فَإِنْ أَحْصَرَكُمْ خَوْفُ عَدُوٍّ، بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ}

وَقَدْ بَيَّنَ الْخَبَرَ الَّذِي ذَكَرْنَا آنِفًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْحَصْرُ: حَصْرُ الْعَدُوِّ.

وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ لِمَا وَصَفْنَا، وَكَانَ ذَلِكَ مَنْعًا مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ، فَكُلُّ مَانِعٍ عَرَضَ لِلْمُحْرِمِ فَصَدَّهُ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ، فَهُوَ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْحُكْمِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت