الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}
قَدْ ذَكَرْنَا تَأْوِيلَ ذَلِكَ وَبَيَّنَّا مَعْنَاهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ}
فَرَجَعَتِ الْيَهُودُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، بَعْدَ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِنْصَارِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِاسْتِفْتَاحِ بِهِ، وَبَعْدَ الَّذِي كَانُوا يُخْبِرُونَ بِهِ النَّاسَ مِنْ قَبْلِ مَبْعَثِهِ أَنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ حِينَ بَعَثَهُ اللَّهُ نَبِيًّا مُرْسَلًا، فَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، اسْتَحَقُّوهُ مِنْهُ بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ حِينَ بُعِثَ، وَجُحُودِهِمْ نُبُوَّتَهُ، وَإِنْكَارِهِمْ إِيَّاهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَجِدُونَ صِفَتِهِ فِي كِتَابِهِمْ عِنَادًا مِنْهُمْ لَهُ وَبَغْيًا وَحَسَدًا لَهُ وَلِلْعَرَبِ {عَلَى غَضَبٍ}
سَالِفٍ كَانَ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ سَابِقٍ غَضَبَهُ الثَّانِي لِكُفْرِهِمُ الَّذِي كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، أَوْ لِعِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ ذُنُوبٍ كَانَتْ لَهُمْ سَلَفَتْ يَسْتَحِقُّونَ بِهَا الْغَضَبَ مِنَ اللَّهِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْغَضَبِ مِنَ اللَّهِ عَلَى مَنْ غَضِبَ عَلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ وَاخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي صِفَتِهِ فِيمَا مَضَى. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ}
وَلِلْجَاحِدِينَ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ عَذَابٌ مِنَ اللَّهِ إِمَّا فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ {مُهِينٌ}
هُوَ الْمُذِلُّ صَاحِبَهُ الْمُخْزِي الْمُلْبِسُهُ هَوَانًا وَذِلَّةً.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَيُّ عَذَابٍ هُوَ غَيْرُ مُهِينٍ صَاحِبَهُ فَيَكُونُ لِلْكَافِرِينَ الْمُهِينُ مِنْهُ؟
قِيلَ: إِنَّ الْمُهِينَ هُوَ الَّذِي قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ الْمُورِثُ صَاحِبَهُ ذِلَّةً وَهَوَانًا الَّذِي يَخْلُدُ فِيهِ صَاحِبُهُ لَا يَنْتَقِلُ مِنْ هَوَانِهِ إِلَى عِزٍّ وَكَرَامَةٍ أَبَدًا، وَهُوَ الَّذِي خَصَّ اللَّهُ بِهِ أَهْلَ الْكُفْرِ بِهِ وَبِرُسُلِهِ؛ وَأَمَّا الَّذِي هُوَ غَيْرُ مُهِينٍ صَاحِبَهُ: فَهُوَ مَا كَانَ تَمْحِيصًا لِصَاحِبِهِ، وَذَلِكَ هُوَ كَالسَّارِقِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ يَسْرِقُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِهِ الْقَطْعُ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَالزَّانِي مِنْهُمْ يَزْنِي فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعَذَابِ، وَالنَّكَالِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ كَفَّارَاتٍ لِلذُّنُوبِ الَّتِي عُذِّبَ بِهَا أَهْلُهَا، وَكَأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ يُعَذَّبُونَ فِي الْآخِرَةِ بِمَقَادِيرِ أَجْرَامِهِمْ الَّتِي ارْتَكَبُوهَا لِيُمَحَّصُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ ثُمَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ. فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَذَابًا فَغَيْرُ مُهِينٍ مَنْ عُذِّبَ بِهِ، إِذْ كَانَ تَعْذِيبُ اللَّهِ إِيَّاهُ بِهِ لِيُمَحِّصَهُ مِنْ آثَامِهِ ثُمَّ يُورِدُهُ مَعْدِنَ الْعِزِّ وَالْكَرَامَةِ وَيُخَلِّدُهُ فِي نَعِيمِ الْجِنَانِ.