يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا}
وَاذْكُرُوا يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا. وَالنَّفْسُ الَّتِي قَتَلُوهَا هِيَ النَّفْسُ الَّتِي ذَكَرْنَا قِصَّتَهَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً}
وَقَوْلُهُ: {فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا}
يَعْنِي فَاخْتَلَفْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ، وَإِنَّمَا هُوَ فَتَدَارَأْتُمْ فِيهَا عَلَى مِثَالِ تَفَاعَلْتُمْ مِنَ الدَّرْءِ، وَالدَّرْءُ: الْعِوَجُ
وَإِنَّمَا أَصْلُ {فَادَّارَأْتُمْ}
فَتَدَارَأْتُمْ، وَلَكِنَّ التَّاءَ قَرِيبَةٌ مِنْ مَخْرَجِ الدَّالِّ، وَذَلِكَ أَنَّ مَخْرَجَ التَّاءِ مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ وَأُصُولِ الشَّفَتَيْنِ، وَمَخْرَجُ الدَّالِّ مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ وَأَطْرَافِ الثَّنِيَّتَيْنِ، فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الدَّالِّ فَجُعِلَتْ دَالًا مُشَدَّدَةً، فَلَمَّا أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الدَّالِ فَجُعِلَتْ دَالًا مِثْلَهَا سَكَنَتْ، فَجَلَبُوا أَلِفًا لِيَصِلُوا إِلَى الْكَلَامِ بِهَا، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ قَبْلَهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْإِدْغَامَ لَا يَكُونُ إِلَّا وَقَبْلَهُ شَيْءٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا}
إِنَّمَا هُوَ تَدَارَكُوا، وَلَكِنَّ التَّاءَ مِنْهَا أُدْغِمَتْ فِي الدَّالِّ فَصَارَتْ دَالًا مُشَدَّدَةً، وَجُعِلَتْ فِيهَا أَلِفٌ إِذَا وُصِلَتْ بِكَلَامٍ قَبْلَهَا لِيَسْلَمَ الْإِدْغَامُ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ مَا يُوَاصِلُهُ، وَابْتُدِئَ بِهِ، قِيلَ: تَدَارَكُوا وَتَثَاقَلُوا، فَأَظْهَرُوا الْإِدْغَامَ.
وَقَدْ قِيلَ: يُقَالُ: ادَّارَكُوا وَادَّارَءُوا.
وَقَدْ قِيلَ إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا}
فَتَدَافَعْتُمْ فِيهَا، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: دَرَأْتَ هَذَا الْأَمْرَ عَنِّي، وَمِنْ قَوْلِ اللَّهِ: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ}
بِمَعْنَى يَدْفَعُ عَنْهَا الْعَذَابَ.
وَهَذَا قَوْلٌ قَرِيبُ الْمَعْنَى مِنَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا تَدَافَعُوا قَتْلَ قَتِيلٍ، فَانْتَفَى كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ قَاتِلَهُ، كَمَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}
وَاللَّهُ مُعْلِنٌ مَا كُنْتُمْ تُسِرُّونَهُ مِنْ قَتْلِ الْقَتِيلِ الَّذِي قَتَلْتُمْ ثُمَّ ادَّارَأْتُمْ فِيهِ.
وَمَعْنَى الْإِخْرَاجِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْإِظْهَارُ وَالْإِعْلَانُ لِمَنْ خَفِيَ ذَلِكَ عَنْهُ وَإِطْلَاعُهُمْ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}
يَعْنِي بِذَلِكَ: يُظْهِرُهُ وَيُطْلِعُهُ مِنْ مَخْبَئهِ بَعْدَ خَفَائِهِ. وَالَّذِي كَانُوا يَكْتُمُونَهُ فَإِخْرَاجُهُ هُوَ قَتْلُ الْقَاتِلِ الْقَتِيلَ، كَمَا كَتَمَ ذَلِكَ الْقَاتِلُ وَمَنْ عَلِمَهُ مِمَّنْ شَايَعَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَظْهَرَهُ اللَّهُ وَأَخْرَجَهُ، فَأَعْلَنَ أَمْرَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ أَمْرَهُ. وَعَنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {تَكْتُمُونَ}
تُسِرُّونَ وَتَغِيبُونَ.