اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ}
مُخَفَّفَةَ اللَّامِ سَاكِنَةً، وَهِيَ قِرَاءَةِ عَامَّةِ الْأَمْصَارِ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ.
وَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلُفٌ) مُثَقَّلَةَ اللَّامِ مَضْمُومَةً.
فَأَمَّا الَّذِينَ قَرَءُوهَا بِسُكُونِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِهَا، فَإِنَّهُمْ تَأَوَّلُوهَا أَنَّهُمْ قَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ وَأَغْطِيَةٍ وَغُلْفٍ. وَالْغُلْفُ عَلَى قِرَاءَةِ هَؤُلَاءِ، جَمْعُ أَغْلَفَ، وَهُوَ الَّذِي فِي غِلَافٍ وَغِطَاءٍ؛ كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَخْتَتِنْ: أَغْلَفُ، وَالْمَرْأَةِ: غَلْفَاءُ، وَكَمَا يُقَالُ لِلسَّيْفِ إِذَا كَانَ فِي غِلَافِهِ: سَيْفٌ أَغْلَفُ، وَقَوْسٌ غَلْفَاءُ، وَجَمْعُهَا غُلْفٌ، وَكَذَلِكَ جَمْعُ مَا كَانَ مِنَ النُّعُوتِ ذَكَرُهُ عَلَى أَفْعَلَ وَأُنْثَاهُ عَلَى فَعْلَاءُ، يُجْمَعُ عَلَى فُعْلٍ مَضْمُومَةَ الْأَوَّلِ سَاكِنَةَ الثَّانِي، مِثْلُ أَحْمَرَ وَحُمْرٍ، وَأَصْفَرَ وَصُفْرٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ جِمَاعًا لِلتَّأْنِيثِ وَالتَّذْكِيرِ، وَلَا يَجُوزُ تَثْقِيلُ عَيْنِ فُعْلٍ مِنْهُ إِلَّا فِي ضَرُورَةِ شِعْرٍ، كَمَا قَالَ طَرَفَةُ بْنُ الْعَبْدِ:
[البحر الرمل]
أَيُّهَا الْفِتْيَانُ فِي مَجْلِسِنَا ... جَرِّدُوا مِنْهَا وِرَادًا وَشُقُرْ
يُرِيدُ: شُقْرًا، لِأَنَّ الشِّعْرَ اضْطَرَّهُ إِلَى تَحْرِيكِ ثَانِيهِ فَحَرَّكَهُ
وَعَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ:"الْقُلُوبُ أَرْبَعَةٌ. ثُمَّ ذَكَرَهَا، فَقَالَ فِيمَا ذَكَرَ: وَقَلَبٌ أَغْلَفٌ: مَعْصُوبٌ عَلَيْهِ، فَذَلِكَ قَلْبُ الْكَافِرِ"
وقَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"فِي قَوْلِهِ: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} "
قَالَ: يَقُولُ قَلْبِي فِي غِلَافٍ، فَلَا يَخْلُصُ إِلَيْهِ ما تَقُولُ.
وَقَرَأَ: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةً مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} ""
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَمَّا الَّذِينَ قَرَءُوهَا: غُلُفٌ بِتَحْرِيكِ اللَّامِ وَضَمِّهَا، فَإِنَّهُمْ تَأَوَّلُوهَا أَنَّهُمْ قَالُوا: قُلُوبُنَا غُلُفٌ لِلْعِلْمِ، بِمَعْنَى أَنَّهَا أَوْعِيَةٌ. قَالَ: وَالْغُلُفُ عَلَى تَأْوِيلِ هَؤُلَاءِ جَمْعُ غِلَافٍ، كَمَا يُجْمَعُ الْكِتَابُ كُتُبٌ، وَالْحِجَابُ حُجُبٌ، وَالشِّهَابُ شُهُبٌ. فَمَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى تَأْوِيلِ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: غُلُفٌ بِتَحْرِيكِ اللَّامِ وَضَمِّهَا: وَقَالَتِ الْيَهُودُ قُلُوبُنَا غُلُفٌ لِلْعِلْمِ، وَأَوْعِيَةٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ.
وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهَا فِي قَوْلِهِ: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ}
هِيَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ {غُلْفٌ}
بِتَسْكِينِ اللَّامِ بِمَعْنَى أَنَّهَا فِي أَغْشِيَةٍ وَأَغْطِيَةٍ؛ لِاجْتِمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ وَأَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى صِحَّتِهَا، وَشُذُوذِ مَنْ شَذَّ عَنْهُمْ بِمَا خَالَفَهُ مِنْ قِرَاءَةِ ذَلِكَ بِضَمِّ اللَّامِ.
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ مَا جَاءَتْ بِهِ الْحُجَّةُ مُتَّفِقَةً عَلَيْهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ، وَمَا جَاءَ بِهِ الْمُنْفَرِدُ فَغَيْرُ جَائِزٍ الِاعْتِرَاضُ بِهِ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْجَمَاعَةُ الَّتِي تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ نَقْلًا وَقَوْلًا وَعَمَلًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ}
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ}
بَلْ أَقْصَاهُمُ اللَّهُ وَأَبْعَدَهُمْ وَطَرَدَهُمْ وَأَخْزَاهُمْ وَأَهْلَكَهُمْ بِكُفْرِهِمْ وَجُحُودِهِمْ آيَاتِ اللَّهِ وَبَيِّنَاتِهِ، وَمَا ابْتَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ، وَتَكْذِيبِهِمْ أَنْبِيَاءَهُ. فَأَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ أَبْعَدَهُمْ مِنْهُ وَمِنْ رَحْمَتِهِ بِمَا
كَانُوا يَفْعَلُونَ مِنْ ذَلِكَ. وَأَصْلُ اللَّعْنِ: الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ وَالْإِقْصَاءُ، يُقَالُ: لَعَنَ اللَّهُ فُلَانًا يَلْعَنُهُ لَعْنًا وَهُوَ مَلْعُونٌ، ثُمَّ يُصْرَفُ مَفْعُولٌ فَيُقَالُ هُوَ لَعِينٌ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّمَّاخِ بْنِ ضِرَارٍ:
[البحر الوافر]
ذَعَرْتُ بِهِ الْقَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ ... مَكَانَ الذِّئْبِ كَالرَّجُلِ اللَّعِينِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ}
تَكْذِيبٌ مِنْهُ لِلْقَائِلِينَ مِنَ الْيَهُودِ: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ}
لِأَنَّ قَوْلَهُ: {بَلْ}
دَلَالَةٌ عَلَى جَحْدِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، وَإِنْكَارِهِ مَا ادَّعَوْا مِنْ ذَلِكَ؛ إِذْ كَانَتْ بَلْ لَا تَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ إِلَّا نَقْضًا لِمَجْحُودٍ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَبَيِّنٌ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: وَقَالَتِ الْيَهُودُ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ يَا مُحَمَّدُ. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا ذَلِكَ كَمَا زَعَمُوا، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَقْصَى الْيَهُودَ وَأَبْعَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَطَرَدَهُمْ عَنْهَا وَأَخْزَاهُمْ بِجُحُودِهِمْ لَهُ وَلِرُسُلِهِ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ.