فهرس الكتاب

الصفحة 2084 من 6201

أَمَّا قَوْلُهُ: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}

وَلَمْ يَقُلْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ مُلْكَ السُّلْطَانِ وَالْمَمْلَكَةُ دُونَ الْمِلْكِ، وَالْعَرَبُ إِذَا أَرَادَتِ الْخَبَرَ عَنِ الْمَمْلَكَةِ الَّتِي هِيَ مَمْلَكَةُ سُلْطَانٍ، قَالَتْ: مَلَكَ اللَّهُ الْخَلْقَ مُلْكًا، وَإِذَا أَرَادَتِ الْخَبَرَ عَنِ الْمَلِكِ قَالَتْ: مَلَكَ فُلَانٌ هَذَا الشَّيْءَ فَهُوَ يَمْلِكُهُ مَلَكًا وَمُلْكُهُ وَمُلْكًا.

فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: أَلَمْ تَعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ لِيَ مُلْكَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَسُلْطَانَهُمَا دُونَ غَيْرِي أَحْكُمُ فِيهِمَا وَفِيمَا فِيهِمَا مَا أَشَاءُ وَآمُرُ فِيهِمَا وَفِيمَا فِيهِمَا بِمَا أَشَاءُ، وَأَنْهَى عَمَّا أَشَاءُ، وَأَنْسَخُ وَأُبَدِّلُ وَأُغَيِّرُ مِنْ أَحْكَامِي الَّتِي أَحْكُمُ بِهَا فِي عِبَادِي مَا أَشَاءُ إِذَا أَشَاءُ، وَأُقِرُّ مِنْهَا مَا أَشَاءُ؟ وَهَذَا الْخَبَرُ وَإِنْ كَانَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خِطَابًا لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنْ عَظَمَتِهِ، فَإِنَّهُ مِنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ تَكْذِيبٌ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا نَسْخَ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ وَجَحَدُوا نُبُوَّةَ عِيسَى، وَأَنْكَرُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِمَجِيئِهِمَا بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِتَغْيِيرِ مَا غَيَّرَ اللَّهُ مِنْ حُكْمِ التَّوْرَاةِ. فَأَخْبِرْهُمُ اللَّهُ أَنَّ لَهُ مُلْكَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَسُلْطَانَهُمَا، فَإِنَّ الْخَلْقَ أَهْلُ مَمْلَكَتِهِ وَطَاعَتِهِ، عَلَيْهِمُ السَّمْعُ لَهُ وَالطَّاعَةُ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَإِنَّ لَهُ أَمْرَهُمْ بِمَا شَاءَ وَنَهْيَهُمْ عَمَّا شَاءَ، وَنَسْخَ مَا شَاءَ وَإِقْرَارَ مَا شَاءَ، وَإِنْسَاءَ مَا شَاءَ مِنْ أَحْكَامِهِ وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ. ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ: انْقَادُوا لِأَمْرِي، وَانْتَهُوا إِلَى طَاعَتِي فِيمَا أَنْسَخُ وَفِيمَا أَتْرُكُ فَلَا أَنْسَخَ مِنْ أَحْكَامِي وَحُدُودِي وَفَرَائِضِي، وَلَا يَهُولَنَّكُمْ خِلَافُ مُخَالِفٍ لَكُمْ فِي أَمْرِي وَنَهْيِي وَنَاسِخِي وَمَنْسُوخِي، فَإِنَّهُ لَا قَيِّمَ بِأَمْرِكُمْ سِوَايَ، وَلَا نَاصِرَ لَكُمْ غَيْرِي، وَأَنَا الْمُنْفَرِدُ بِوَلَايَتِكُمْ وَالدِّفَاعِ عَنْكُمْ، وَالْمُتَوَحِّدُ بِنُصْرَتِكُمْ بِعِزِّي وَسُلْطَانِي وَقُوَّتِي عَلَى مَنْ نَاوَأَكُمْ وَحَادَّكُمْ وَنَصَبَ حَرْبَ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَكُمْ، حَتَّى أُعَلِّيَ حُجَّتَكُمْ، وَأَجْعَلَهَا عَلَيْهِمْ لَكُمْ. وَالْوَلِيُّ مَعْنَاهُ «فَعِيلٌ» ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: وَلِيتُ أَمْرَ فُلَانٍ: إِذَا صِرْتُ قَيِّمًا بِهِ فَأَنَا إِلَيْهِ فَهُوَ وَلِيُّهُ وَقَيِّمُهُ؛ وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ: فُلَانٌ وَلِيُّ عَهْدِ الْمُسْلِمِينَ، يَعْنِي بِهِ: الْقَائِمَ بِمَا عُهِدَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ.

وَأَمَّا النَّصِيرُ فَإِنَّهُ فَعِيلٌ مِنْ قَوْلِكَ: نَصَرْتُكَ أَنْصُرُكَ فَأَنَا نَاصِرُكَ وَنَصِيرُكَ؛ وَهُوَ الْمُؤَيِّدُ وَالْمُقَوِّي.

وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ: {مِنْ دُونِ اللَّهِ}

فَإِنَّهُ سِوَى اللَّهِ وَبَعْدَ اللَّهِ. وَمِنْهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ:

[البحر البسيط]

يَا نَفْسُ مَا لَكِ دُونَ اللَّهِ مِنْ وَاقِي ... وَمَا عَلَى حَدَثَانِ الدَّهْرِ مِنْ بَاقِي

يُرِيدُ: مَا لَكِ سِوَى اللَّهِ وَبَعْدَ اللَّهِ مَنْ يَقِيكِ الْمَكَارِهَ.

فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا: وَلَيْسَ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بَعْدَ اللَّهِ مِنْ قَيِّمٍ بِأَمْرِكُمْ وَلَا نُصَيْرٍ فَيُؤَيِّدُكُمْ وَيُقَوِّيكُمْ فَيُعِينُكُمْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت