فهرس الكتاب

الصفحة 1968 من 6201

وَأَمَّا قَوْلُهُ{بِبَابِلَ}

فَإِنَّهُ اسْمُ قَرْيَةٍ أَوْ مَوْضِعٌ مِنْ مَوَاضِعِ الْأَرْضِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا بَابِلُ دَنْبَاوَنْدَ

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: «بَلْ ذَلِكَ بَابِلُ الْعِرَاقِ»

وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى السِّحْرِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ خِدَعٌ وَمَخَارِيقَ وَمَعَانٍ يَفْعَلُهَا السَّاحِرُ، حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَى الْمَسْحُورِ الشَّيْءَ أَنَّهُ بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ، نَظِيرُ الَّذِي يَرَى السَّرَابَ مِنْ بَعِيدٍ، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ مَاءٌ، وَيَرَى الشَّيْءَ مِنْ بَعِيدِ فَيُثْبِتُهُ بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَكَرَاكِبِ السَّفِينَةِ السَّائِرَةِ سَيْرًا حَثِيثًا يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّ مَا عَايَنَ مِنَ الْأَشْجَارِ وَالْجِبَالِ سَائِرٌ مَعَهُ.

قَالُوا: فَكَذَلِكَ الْمَسْحُورُ ذَلِكَ صِفَتُهُ، يَحْسِبُ بَعْدَ الَّذِي وَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِ السَّاحِرِ أَنَّ الَّذِيَ يَرَاهُ أَوْ يَفْعَلُهُ بِخِلَافِ الَّذِي هُوَ بِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ

عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُحِرَ كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَلَمْ يَفْعَلْهُ»

عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: كَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يُحَدِّثَانِ: أَنَّ يَهُودَ بَنِي زُرَيْقٍ، عَقَدُوا عَقْدَ سِحْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلُوهَا فِي بِئْرِ حَزْمٍ حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْكِرُ بَصَرَهُ ودَلَّهُ اللَّهُ عَلَى مَا صَنَعُوا، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بِئْرِ حَزْمٍ الَّتِي فِيهَا الْعَقْدُ فَانْتَزَعَهَا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «سَحَرَتْنِي يَهُودُ بَنِي زُرَيْقٍ»

وَأَنْكَرَ قَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَنْ يَكُونَ السَّاحِرُ يَقْدِرُ بِسِحْرِهِ عَلَى قَلْبِ شَيْءٍ عَنْ حَقِيقَتِهِ، وَاسْتِسْخَارِ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إِلَّا نَظِيرَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ سَائِرُ بَنِي آدَمَ، أَوْ إِنْشَاءِ شَيْءٍ مِنَ الْأَجْسَامِ سِوَى الْمَخَارِيقِ وَالْخِدَعِ الْمُتَخَيَّلَةِ لِأَبْصَارِ النَّاظِرِينَ بِخِلَافِ حَقَائِقِهَا الَّتِي وَصَفْنَا. وَقَالُوا: لَوْ كَانَ فِي وُسْعِ السَّحَرَةِ إِنْشَاءَ الْأَجْسَامِ وَقَلْبَ الْحَقَائِقِ الْأَعْيَانِ عَمَّا هِيَ بِهِ مِنَ الْهَيْئَاتِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فَصْلٌ، وَلَجَازَ أَنْ تَكُونَ جَمِيعُ الْمَحْسُوسَاتِ مِمَّا سَحَرَتْهُ السَّحَرَةُ فَقَلَبَتْ أَعْيَانَهَا.

قَالُوا: وَفِي وَصْفِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ سَحَرَةُ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيِّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} .

وَفِي خَبَرِ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سُحِرَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَلَا يَفْعَلُهُ، أَوْضَحُ الدَّلَالَةِ عَلَى بُطُولِ دَعْوَى الْمُدَّعِينَ: أَنَّ السَّاحِرَ يُنْشِئُ أَعْيَانَ الْأَشْيَاءِ بِسِحْرِهِ، وَيَسْتَسْخِرُ مَا يَتَعَذَّرُ اسْتِسْخَارُهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ بَنِي آدَمَ، كَالْمَوَاتِ وَالْجَمَادِ وَالْحَيَوَانِ، وَصِحَّةِ مَا قُلْنَا.

وَقَالَ آخَرُونَ: قَدْ يَقْدِرُ السَّاحِرُ بِسِحْرِهِ أَنْ يُحَوِّلَ الْإِنْسَانَ حِمَارًا، وَأَنْ يَسْحَرَ الْإِنْسَانَ وَالْحِمَارَ وَيُنْشِئَ أَعْيَانًا وَأَجْسَامًا.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ السِّحْرُ أَخْذٌ بِالْعَيْنِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت