فهرس الكتاب

الصفحة 2741 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) }

يَعْنِي بِذَلِكَ تَبَارَكَ اسْمُهُ: وَلَئِنْ جِئْتَ يَا مُحَمَّدُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِكُلِّ بُرْهَانٍ، وَحُجَّةٍ وَهِيَ الْآيَةُ بِأَنَّ الْحَقَّ هُوَ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ فَرْضِ التَّحَوُّلِ مِنْ قِبْلَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، مَا صَدَّقُوا بِهِ وَلَا اتَّبَعُوا مَعَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ قِبْلَتَكَ الَّتِي حَوَّلْتُكَ إِلَيْهَا وَهِيَ التَّوَجُّهُ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَأُجِيبَتْ «لَئِنْ» بِالْمَاضِي مِنَ الْفِعْلِ وَحُكْمُهَا الْجَوَّابُ بِالْمُسْتَقْبَلِ تَشْبِيهًا لَهَا بِ «لَوْ» فَأُجِيبْتَ بِمَا تُجَابُ بِهِ لَوْ لِتَقَارُبِ مَعْنَيْيِهِمَا؛ وَقَدْ مَضَى الْبَيَانُ عَنْ نَظِيرِ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى.

وَأُجِيبَتْ «لَوْ» بِجَوَابِ الْأَيْمَانِ، وَلَا تَفْعَلُ الْعَرَبُ ذَلِكَ إِلَّا فِي الْجَزَاءِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ مُشَابِهِ الْيَمِينَ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَتِمُّ أَوَّلُهُ إِلَّا بِآخِرِهِ، وَلَا يَتِمُّ وَحْدَهُ، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِمَا يُؤَكَّدُ بِهِ بَعْدَهُ، فَلَمَّا بَدَأَ بِالْيَمِينِ فَأُدْخِلَتْ عَلَى الْجَزَاءِ صَارَتِ اللَّامُ الْأُولَى بِمَنْزِلَةِ يَمِينٍ، وَالثَّانِيَةُ بِمَنْزِلَةِ جَوَابٍ لَهَا، كَمَا قِيلَ: لَعَمْرُكَ لَتَقُومَنَّ إِذْ كَثُرَتِ اللَّامُ مِنْ لَعَمْرُكَ"حَتَّى صَارَتْ كَحَرْفٍ مِنْ حُرُوفِهِ، فَأُجِيبَ بِمَا يُجَابُ بِهِ الْأَيْمَانُ، إِذْ كَانَتِ اللَّامُ تَنُوبُ فِي الْأَيْمَانِ عَنِ الْأَيْمَانِ دُونَ سَائِرِ الْحُرُوفِ غَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحَقُّ بِهِ الْأَيْمَانُ، فَتَدُلُّ عَلَى الْأَيْمَانِ، وَتَعْمَلُ عَمَلَ الْأَجْوِبَةِ، وَلَا تَدُلُّ سَائِرُ أَجْوِبَةِ الْأَيْمَانِ لَنَا عَلَى الْأَيْمَانِ؛ فَشُبِّهَتِ اللَّامُ الَّتِي فِي جَوَابِ الْأَيْمَانِ بِالْأَيْمَانِ لِمَا وَصَفْنَا، فَأُجِيبَتْ بِأَجْوِبَتِهَا. فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا: «لَوْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قَبْلَتَكَ» "

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ}

يَقُولُ: وَمَا لَكَ مِنْ سَبِيلٍ يَا مُحَمَّدُ إِلَى اتِّبَاعِ قِبْلَتِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ تَسْتَقْبِلُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِصَلَاتِهَا، وَأَنَّ النَّصَارَى تَسْتَقْبِلُ الْمَشْرِقَ، فَأَنَّى يَكُونُ لَكَ السَّبِيلُ إِلَى اتِّبَاعِ قِبْلَتِهِمْ مَعَ اخْتِلَافِ وجُوهِهَا. يَقُولُ: فَالْزَمْ قِبْلَتَكَ الَّتِي أُمِرْتَ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهَا، وَدَعْ عَنْكَ مَا تَقُولُهُ الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى وَتَدْعُوكَ إِلَيْهِ مِنْ قِبْلَتِهِمْ وَاسْتِقْبَالِهَا

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ}

فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: وَمَا الْيَهُودُ بِتَابِعَةٍ قِبْلَةَ النَّصَارَى، وَلَا النَّصَارَى بِتَابِعَةٍ قِبْلَةَ الْيَهُودِ فَمُتَوَجِّهَةٌ نَحْوَهَا.

وَإِنَّمَا يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى لَا تَجْتَمِعُ عَلَى قِبْلَةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ إِقَامَةِ كُلِّ حِزْبٍ مِنْهُمْ عَلَى مِلَّتِهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مُحَمَّدُ لَا تُشْعِرُ نَفْسَكَ رِضَا هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، فَإِنَّهُ أَمْرٌ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ مَعَ اخْتِلَافِ مِلَلِهِمْ لَا سَبِيلَ لَكَ إِلَى إِرْضَاءِ كُلِّ حِزْبٍ مِنْهُمْ، مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ قِبْلَةَ الْيَهُودِ أَسْخَطْتَ النَّصَارَى، وَإِنِ اتَّبَعْتَ قِبْلَةَ النَّصَارَى أَسْخَطْتَ الْيَهُودَ، فَدَعْ مَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، وَادْعُهُمْ إِلَى مَا لَهُمُ السَّبِيلُ إِلَيْهِ مِنَ الِاجْتِمَاعِ عَلَى مِلَّتِكَ الْحَنِيفِيَّةِ الْمُسْلِمَةِ، وَقِبْلَتِكَ قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَالْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَعْدِهِ.

الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَي: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ}

يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ}

وَلَئِنِ الْتَمَسْتَ يَا مُحَمَّدُ رِضَا هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى الَّذِينَ قَالُوا لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ: {كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} ، فَاتَّبَعْتَ قِبْلَتَهُمْ يَعْنِي فَرَجَعْتَ إِلَى قِبْلَتِهِمْ. ويعني بِقَوْلِهِ: {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ}

مِنْ بَعْدِ مَا وَصَلَ إِلَيْكَ مِنَ الْعِلْمِ بِإِعْلَامِي إِيَّاكَ أَنَّهُمْ مُقِيمُونَ عَلَى بَاطِلٍ وَعَلَى عِنَادٍ مِنْهُمْ لِلْحَقِّ وَمَعْرِفَةٍ مِنْهُمْ أَنَّ الْقِبْلَةَ الَّتِي وَجَّهْتُكَ إِلَيْهَا هِيَ الْقِبْلَةُ الَّتِي فَرَضْتُ عَلَى أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَسَائِرِ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنَ الرُّسُلِ التَّوَجُّهَ نَحْوَهَا؛ {إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ}

يَعْنِي أَنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ مِنْ عِبَادِي الظَّلَمَةِ أَنْفُسَهُمُ الْمُخَالِفِينَ أَمْرِي، وَالتَّارِكِينَ طَاعَتِي، وَأَحَدُهُمْ، وَفِي عِدَادِهِمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت