فهرس الكتاب

الصفحة 5518 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا}

وَالْبُعُولَةُ جَمْعُ بَعْلٍ: وَهُوَ الزَّوْجُ لِلْمَرْأَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:

[البحر الطويل]

أَعِدُّوا مَعَ الْحَلْيِ الْمَلَابَ ... فَإِنَّمَا جَرِيرٌ لَكُمْ بَعْلٌ وَأَنْتُمْ حَلَائِلُهْ

وَقَدْ يُجْمَعُ الْبَعْلُ الْبُعُولَةَ وَالْبُعُولَ، كَمَا يُجْمَعُ الْفَحْلُ وَالْفُحُولَ وَالْفُحُولَةَ، وَالذَّكَرُ الذُّكُورَ وَالذُّكُورَةَ وَكَذَلِكَ مَا كَانَ عَلَى مِثَالِ «فَعُولٍ» مِنَ الْجَمْعِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ كَثِيرًا مَا تُدْخِلُ فِيهِ الْهَاءَ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا عَلَى مِثَالِ «فِعَالٍ» فَقَلِيلٌ فِي كَلَامِهِمْ دُخُولُ الْهَاءِ فِيهِ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُمُ الْعِظَامُ وَالْعِظَامَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ: ثُمَّ دَفَنْتَ الْفَرْثَ، وَالْعِظَامَهْ

وَقَدْ قِيلَ: الْحِجَارَةُ وَالْحِجَارُ، وَالْمِهَارَةُ وَالْمِهَارُ، وَالذِّكَاةُ وَالذِّكَارُ، لِلذُّكُورِ.

وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْكَلَامِ، فَإِنَّهُ: أَزْوَاجُ الْمُطَلَّقَاتِ اللَّاتِي فَرَضْنَا عَلَيْهِنَّ أَنْ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ، وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ، أَحَقُّ وَأَوْلَى بِرَدِّهِنَّ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فِي حَالِ تَرَبُّصِهِنَّ إِلَى الْأَقْرَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَأَيَّامِ الْحَبَلِ، وَارْتِجَاعِهِنَّ إِلَى حِبَالِهِنَّ مِنْهُمْ بِأَنْفُسِهِنَّ أَنْ يَمْنَعَهُنَّ مِنْ أَنْفُسِهِنَّ ذَلِكَ.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ:" {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} "

يَقُولُ: إِذْ طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ، وَهِيَ حَامِلٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا مَا لَمْ تَضَعْ""

وعَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ:" {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} "

أَيْ فِي الْقُرُوءِ فِي الثَّلَاثِ حِيَضٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، أَوْ كَانَتْ حَامِلًا، فَإِذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ رَاجَعَهَا إِنْ شَاءَ مَا كَانَتْ فِي عِدَّتِهَا""

فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَمَا لِزَوْجٍ طَلَّقَ وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ بَعْدَ الْإِفْضَاءِ إِلَيْهَا عَلَيْهَا رَجْعَةٌ فِي أَقْرَائِهَا الثَّلَاثَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا بِالرَّجْعَةِ إِصْلَاحَ أَمْرِهَا وَأَمْرِهِ؟

قِيلَ: أَمَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَغَيْرُ جَائِزٍ إِذَا أَرَادَ ضِرَارَهَا بِالرَّجْعَةِ لَا إِصْلَاحَ أَمْرِهَا وَأَمْرِهِ مُرَاجَعَتُهَا.

وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ فَإِنَّهُ مَقْضِيُّ لَهُ عَلَيْهَا بِالرَّجْعَةِ نَظِيرَ مَا حَكَمْنَا عَلَيْهِ بِبُطُولِ رَجَعْتِهِ عَلَيْهَا لَوْ كَتَمَتْهُ حَمْلَهَا الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ فِي رَحِمَهَا، أَوْ حَيْضِهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ضِرَارًا مِنْهَا لَهُ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ كِتْمَانِهِ ذَلِكَ، فَكَانَ سَوَاءً فِي الْحُكْمِ فِي بُطُولِ رَجْعَةِ زَوْجِهَا عَلَيْهَا وَقَدْ أَثِمَتْ فِي كِتْمَانِهَا إِيَّاهُ مَا كَتَمَتْهُ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا هِيَ وَالَّتِي أَطَاعَتِ اللَّهَ بِتَرْكِهَا كِتْمَانَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ وَمَعْصِيَتِهِ، فَكَذَلِكَ الْمُرَاجِعُ زَوْجَتَهُ الْمُطَلَّقَةَ وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ بَعْدَ الْإِفْضَاءِ إِلَيْهَا وَهُمَا حُرَّانِ، وَإِنْ أَرَادَ ضِرَارَ الْمُرَاجَعَةِ بِرَجْعَتِهِ فَمَحْكُومٌ لَهُ بِالرَّجْعَةِ وَإِنْ كَانَ آثِمًا بِرَأْيِهِ فِي فِعْلِهِ وَمُقَدِّمًا عَلَى مَا لَمْ يُبِحْهُ اللَّهُ لَهُ، وَاللَّهُ وَلِيُّ مُجَازَاتِهِ فِيمَا أَتَى مِنْ ذَلِكَ. فَأَمَّا الْعِبَادُ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُمُ الْحَوْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ الَّتِي رَاجَعَهَا بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهُ بِأَنَّهَا حِينَئِذٍ زَوْجَتُهُ، فَإِنْ حَاوَلَ ضِرَارَهَا بَعْدَ الْمُرَاجَعَةِ بِغَيْرِ الْحَقِّ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ أَخْذَ لَهَا الْحُقُوقَ الَّتِي أَلْزَمَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ الْأَزْوَاجَ لِلزَّوْجَاتِ حَتَّى يَعْدُوَ ضَرَرُ مَا أَرَادَ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ دُونَهَا، وَفِي قَوْلِهِ: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ}

أَبْيَنُ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُؤْلِيَ إِذَا عَزَمَ الطَّلَاقَ فَطَلَّقَ امْرَأَتَهُ الَّتِي آلَى مِنْهَا أَنَّ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةَ فِي طَلَاقِهِ ذَلِكَ، وَعَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنْ مُضِيَ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ عَزْمُ الطَّلَاقِ، وَأَنَّهُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا أَعْلَمَ عِبَادَهُ مَا يَلْزَمُهُمْ إِذَا آلُوا مِنْ نِسَائِهِمْ وَمَا يَلْزَمُ النِّسَاءَ مِنَ الْأَحْكَامِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِإِيلَاءِ الرِّجَالِ وَطَلَاقِهِمْ، إِذَا عَزَمُوا ذَلِكَ وَتَرَكُوا الْفَيْءَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت