الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) }
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: يَسْأَلُكَ أَصْحَابُكَ يَا مُحَمَّدُ عَنِ الْخَمْرِ وَشُرْبِهَا.
وَالْخَمْرُ: كُلُّ شَرَابٍ خَامَرَ الْعَقْلَ فَسَتَرَهُ وَغَطَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: خَمَّرْتَ الْإِنَاءَ إِذَا غَطَّيْتُهُ، وَخَمَّرَ الرَّجُلُ: إِذَا دَخَلَ فِي الْخَمْرِ، وَيُقَالُ هُوَ فِي خِمَارِ النَّاسِ، وَغِمَارِهِمْ، يُرَادُ بِهِ: دَخَلَ فِي عِرْضِ النَّاسِ، وَيُقَالُ لِلضَّبُعِ خَامِرِي أُمَّ عَامِرٍ، أَيِ اسْتَتِرِي. وَمَا خَامَرَ الْعَقْلَ مِنْ دَاءٍ وَسُكْرٍ فَخَالَطَهُ وَغَمَرَهُ فَهُوَ خَمْرٌ، وَمَنْ ذَلِكَ أَيْضًا خِمَارُ الْمَرْأَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تَسْتُرُ بِهِ رَأْسَهَا فَتُغَطِّيهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: هُوَ يَمْشِي لَكَ الْخَمَرَ، أَيْ مُسْتَخْفِيًا. كَمَا قَالَ الْعَجَّاجُ:
[البحر الرجز]
فِي لَامِعِ الْعِقْبَانِ لَا يَأْتِي الْخَمَرْ ... يُوَجِّهُ الْأَرْضَ وَيَسْتَاقُ الشَّجَرَ
ويعني بِقَوْلِهِ: لَا يَأْتِي الْخَمَرْ: لَا يَأْتِي مُسْتَخْفِيًا، وَلَا مُسَارَقَةً وَلَكِنْ ظَاهِرًا بِرَايَاتٍ، وَجُيُوشٍ؛ وَالْعِقْبَانُ: جَمْعُ عُقَابٍ، وَهِيَ الرَّايَاتُ.
وَأَمَّا «الْمَيْسِرِ» فَإِنَّهَا «الْمَفْعِلِ» مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: يَسِّرْ لِي هَذَا الْأَمْرَ: إِذَا وَجَبَ لِي فَهُوَ يَيْسِرُ لِي يَسَرًا وَمَيْسِرًا، وَالْيَاسِرُ: الْوَاجِبُ، بِقِدَاحٍ وَجَبَ ذَلِكَ أَوْ مُبَاحُهُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ قِيلَ لِلْمُقَامِرِ: يَاسِرٌ وَيَسَرٌ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]
فَبَتَّ كَأَنِّنِي يَسَرٌ غَبِينٌ ... يُقَلِّبُ بَعْدَمَا اخَتُلِعَ الْقِدَاحَا
وَكَمَا قَالَ النَّابِغَةُ:
[البحر الكامل]
أَوْ يَاسِرٌ ذَهَبَ الْقِدَاحُ بِوَفْرِهِ ... أَسَفٌ تَآكَلَهُ الصَّدِيقُ مُخَلَّعُ
يَعْنِي بِالْيَاسِرِ: الْمُقَامِرُ، وَقِيلَ لِلْقِمَارِ: مَيْسِرٌ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ:" {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} "
قَالَ: الْقِمَارُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمَيْسِرُ لِقَوْلِهِمْ أَيْسَرُوا، وَاجْزِرُوا، كَقَوْلِكَ ضَعْ كَذَا وَكَذَا""
[قيل] لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ:"النَّرْدُ: مَيْسِرٌ، أَرَأَيْتَ الشَّطْرَنْجَ مَيْسِرٌ هُوَ؟ فَقَالَ الْقَاسِمُ: «كُلُّ مَا أَلْهَى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَعَنِ الصَّلَاةِ، فَهُوَ مَيْسِرٌ» "