فهرس الكتاب

الصفحة 5878 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) }

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ مِنَ الرِّجَالِ أَيُّهَا النَّاسُ، فَيَمُوتُونَ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصَ أَزْوَاجَهُنَّ بِأَنْفُسِهِنَّ،

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَأَيْنَ الْخَبَرُ عَنِ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ؟

قِيلَ: مَتْرُوكٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَصْدَ الْخَبَرِ عَنْهُمْ، وَإِنَّمَا قَصَدَ قَصْدَ الْخَبَرِ عَنِ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُعْتَدَاتِ مِنَ الْعِدَّةِ فِي وَفَاةِ أَزْوَاجِهِنَّ، فَصَرَفَ الْخَبَرَ عَنِ الَّذِينَ ابْتَدَأَ بِذِكْرِهِمْ مِنَ الْأَمْوَاتِ إِلَى الْخَبَرِ عَنْ أَزْوَاجِهِمْ وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْعِدَّةِ، إِذْ كَانَ مَعْرُوفًا مَفْهُومًا مَعْنَى مَا أُرِيدَ بِالْكَلَامِ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ فِي الْكَلَامِ: بَعْضُ جُبَّتِكَ مُتَخَرِّقَةٌ، فِي تَرْكِ الْخَبَرِ عَمَّا أُبْتُدِئَ بِهِ الْكَلَامُ إِلَى الْخَبَرِ عَنْ بَعْضِ أَسْبَابِهِ، وَكَذَلِكَ الْأَزْوَاجُ اللَّوَاتِي عَلَيْهِنَّ التَّرَبُّصُ لِمَا كَانَ إِنَّمَا أَلْزَمَهُنَّ التَّبَرُّصَ بِأَسْبَابِ أَزْوَاجِهِنَّ صَرْفَ الْكَلَامِ عَنْ خَبَرِ مَنْ أُبْتُدِئَ بِذِكْرِهِ إِلَى الْخَبَرِ عَمَّنْ قَصَدَ قَصْدَ الْخَبَرِ عَنْهُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

[البحر الطويل]

لَعَلِّيَ إِنْ مَالَتْ بِيَ الرِّيحُ مَيْلَةً ... عَلَى ابْنِ أَبِي ذِبَّانَ أَنْ يَتَنَدَّمَا

فَقَالَ «لَعَلِّيَ» ، ثُمَّ قَالَ «أَنْ يَتَنَدَّمَا» لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: لَعَلَّ ابْنَ أَبِي ذِبَّانَ أَنْ يَتَنَدَّمَ إِنْ مَالَتْ بِيَ الرِّيحُ مَيْلَةً عَلَيْهِ فَرَجَعَ بِالْخَبَرِ إِلَى الَّذِي أَرَادَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدِ ابْتَدَأَ بِذِكْرِ غَيْرِهِ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

[البحر الطويل]

أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ ابْنَ قَيْسٍ ... وَقَتْلَهُ بِغَيْرِ دَمٍ دَارُ الْمَذَلَّةِ حُلَّتِ

فَأَلْغَى «ابْنَ قَيْسٍ» وَقَدِ ابْتَدَأَ بِذِكْرِهِ، وَأَخْبَرَ عَنْ قَتْلِهِ أَنَّهُ ذُلٌّ وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ خَبَرَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مَتْرُوكٌ، وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَنْبَغِي لَهُنَّ أَنْ يَتَرَبَّصْنَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ؛ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مَوْتَهُمْ كَمَا يُحْذَفُ بَعْضُ الْكَلَامِ، وَأَنَّ «يَتَرَبَّصْنَ» رَفْعٌ إِذْ وَقَعَ مَوْقِعَ يَنْبَغِي، وَيَنْبَغِي رَفْعٌ.

وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ قَالَ فِي رَفْعِ يَتَرَبَّصْنَ بِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ يَنْبَغِي.

وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: إِنَّمَا لَمْ يَذْكُرِ «الَّذِينَ» بِشَيْءٍ، لِأَنَّهُ صَارَ الَّذِينَ فِي خَبَرِهِمْ مِثْلَ تَأْوِيلِ الْجَزَاءِ: مَنْ يَلْقَكَ مِنَّا تُصِبْ خَيْرًا، الَّذِي يَلْقَاكَ مِنَّا تُصِيبُ خَيْرًا قَالَ: وَلَا يَجُوزُ هَذَا إِلَّا عَلَى مَعْنَى الْجَزَاءِ، وَفِي الْبَيْتَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا قَالَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت