يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {أُولَئِكَ}
هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ فِي شَأْنِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخَسِيسِ مِنَ الرِّشْوَةِ يُعْطُونَهَا، فَيُحَرِّفُونَ لِذَلِكَ آيَاتِ اللَّهِ وَيُغَيِّرُونَ مَعَانِيهَا {مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ}
بِأَكْلِهِمْ مَا أَكَلُوا مِنَ الرُّشَا عَلَى ذَلِكَ وَالْجِعَالَةِ وَمَا أَخَذُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَجْرِ {إِلَّا النَّارَ}
يَعْنِي إِلَّا مَا يُورِدُهُمُ النَّارَ وَيُصْلِيهُمُوهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}
مَعْنَاهُ: مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا مَا يُورِدُهُمُ النَّارَ بِأَكْلِهِمْ. فَاسْتَغْنَى بِذِكْرِ النَّارِ وَفَهْمِ السَّامِعِينَ مَعْنَى الْكَلَامِ عَنْ ذِكْرِ مَا يُورِدُهُمْ أَوْ يُدْخِلُهُمْ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ يَكُونُ الْأَكْلُ فِي غَيْرِ الْبَطْنِ فَيُقَالُ: مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ؟
قِيلَ: قَدْ تَقُولُ الْعَرَبُ جُعْتُ فِي غَيْرِ بَطْنِي، وَشَبِعْتُ فِي غَيْرِ بَطْنِي، فَقِيلَ فِي بُطُونِهِمْ لِذَلِكَ كَمَا يُقَالُ: فَعَلَ فُلَانٌ هَذَا نَفْسُهُ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فِيمَا مَضَى.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}
يَقُولُ: وَلَا يُكَلِّمُهُمْ بِمَا يُحِبُّونَ، وَيَشْتَهُونَ، فَأَمَّا بِمَا يَسُوءُهُمْ، وَيَكْرَهُونَ فَإِنَّهُ سَيُكَلِّمُهُمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ إِذَا قَالُوا: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ}
قَالَ: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تَكَلَّمُونَ}
الآيَتَيْن.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَلَا يُزَكِّيهِمْ}
فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَلَا يُطَهِّرُهُمْ مِنْ دَنَسِ ذُنُوبِهِمْ، وَكُفْرِهِمْ، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
يَعْنِي مُوجِعٌ.