فهرس الكتاب

الصفحة 5768 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ}

وَعَلَى آبَاءِ الصِّبْيَانِ لِلْمَرَاضِعِ رِزْقُهُنَّ، يَعْنِي رِزْقَ، وَالِدَتِهِنَّ وَيَعْنِي بِالرِّزْقِ مَا يَقُوتُهُنَّ مِنْ طَعَامٍ، وَمَا لَا بُدَّ لَهُنَّ مِنْ غِذَاءٍ وَمَطْعَمٍ وَكِسْوَتِهِنَّ، وَيَعْنِي بِالْكِسْوَةِ الْمَلْبَسِ، وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {بِالْمَعْرُوفِ}

بِمَا يَجِبُ لِمِثْلِهَا عَلَى مِثْلِهِ إِذْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ عَلِمَ تَفَاوَتَ أَحْوَالِ خَلْقِهِ بِالْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَأَنَّ مِنْهُمُ الْمُوسِعُ وَالْمُقْتِرُ وَبَيَّنَ ذَلِكَ، فَأَمَرَ كُلًّا أَنْ يُنْفِقَ عَلَى مَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ مِنْ زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ عَلَى قَدْرِ مَيْسَرَتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا}

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا}

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: لَا تُحَمَّلُ نَفْسٌ مِنَ الْأُمُورِ إِلَّا مَا لَا يَضِيقُ عَلَيْهَا وَلَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهَا وُجُودُهُ إِذَا أَرَادَتْ، وَإِنَّمَا عَنَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: لَا يُوجِبُ اللَّهُ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ نَفَقَةِ مَنْ أَرْضَعَ أَوْلَادَهُمْ مِنْ نِسَائِهِمُ الْبَائِنَاتِ مِنْهُمْ إِلَّا مَا أَطَاقُوهُ وَوَجَدُوا إِلَيْهِ السَّبِيلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ}

وَالْوُسْعُ: الْفِعْلُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: وَسِعَنِي هَذَا الْأَمْرُ، فَهُوَ يَسَعُنِي سَعَةً، وَيُقَالُ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتُكَ وُسْعِي، أَيْ مَا يَتَّسِعُ لِي أَنْ أُعْطِيَكَ فَلَا يَضِيقُ عَلَيَّ إِعْطَاؤُكَهُ وَأَعْطَيْتُكَ مِنْ جَهْدِي إِذَا أَعْطَيْتُهُ مَا يُجْهِدُكَ فَيَضِيقُ عَلَيْكَ إِعْطَاؤُهُ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا}

هُوَ مَا وَصَفْتُ مِنْ أَنَّهَا لَا تُكَلَّفُ إِلَّا مَا يَتَّسِعُ لَهَا بَذْلُ مَا كُلِّفَتْ بَذْلَهُ، فَلَا يَضِيقُ عَلَيْهَا، وَلَا يَجْهِدُهَا، لَا مَا ظَنَّهُ جَهَلَةُ أَهْلِ الْقَدَرِ مِنْ أَنِّ مَعْنَاهُ: لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا مَا قَدْ أُعْطِيَتْ عَلَيْهِ الْقُدْرَةَ مِنَ الطَّاعَاتِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَمَا زَعَمْتَ لَكَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا}

إِذَا كَانَ دَالًّا عَلَى أَنَّهُمْ غَيْرُ مُسْتَطِيعِي السَّبِيلَ إِلَى مَا كَلَّفُوهُ وَاجِبًا أَنْ يَكُونَ الْقَوْمُ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ قَدْ أُعْطُوا الِاسْتِطَاعَةَ عَلَى مَا مَنَعُوهَا عَلَيْهِ، وَذَلِكَ مِنْ قَائِلِهِ إِنْ قَالَهُ إِحَالَةٌ فِي كَلَامِهِ، وَدَعْوَى بَاطِلٌ لَا يُخَيَّلُ بُطُولُهُ، وَإِذَا كَانَ بَيِّنَّا فَسَادَ هَذَا الْقَوْلِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِيَ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ كَلَّفَ النُّفُوسَ مِنْ وُسْعِهَا غَيْرَ الَّذِي أَخْبَرَ أَنَّهُ كَلَّفَهَا مِمَّا لَا تَسْتَطِيعُ إِلَيْهِ السَّبِيلَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت