فهرس الكتاب

الصفحة 3765 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(190)}

اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ الْآيَةُ هِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ بِقِتَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ. وَقَالُوا: أُمِرَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَالْكَفِّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِبَرَاءَةَ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُسْلِمِينَ بِقِتَالِ الْكُفَّارِ لَمْ يُنْسَخْ، وَإِنَّمَا الِاعْتِدَاءُ الَّذِي نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ هُوَ نَهْيِهِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ، وَالذَّرَارِيِّ. قَالُوا: وَالنَّهْي عَنْ قَتْلِهِمْ ثَابِتٌ حُكْمُهُ الْيَوْمَ. قَالُوا: فَلَا شَيْءَ نُسِخَ مِنْ حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ.

عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَأَةَ"إِنِّي وَجَدْتُ آيَةً فِي كِتَابِ اللَّهِ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} "

أَيْ لَا تُقَاتِلْ مَنْ لَا يُقَاتِلُكَ، يَعْنِي النِّسَاءَ، وَالصِّبْيَانَ، وَالرُّهْبَانَ""

وَأَوْلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ، الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْمُدَّعِيَ نَسْخَ آيَةٍ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مَنْسُوخَةٍ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ تَحَكُّمٌ، وَالتَّحَكُّمُ لَا يَعْجِزُ عَنْهُ أَحَدٌ.

وَقَدْ دَلَلْنَا عَلَى مَعْنَى النَّسْخِ، وَالْمَعْنَى الَّذِي مِنْ قَبْلِهِ يُثْبِتُ صِحَّةَ النَّسْخِ.

فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا: وَقَاتِلُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَسَبِيلُهُ: طَرِيقُهُ الَّذِي أَوْضَحَهُ وَدِينُهُ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ. يَقُولُ لَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَاتِلُوا فِي طَاعَتِي، وَعَلَى مَا شَرَعْتُ لَكُمْ مِنْ دِينِي، وَادْعُوا إِلَيْهِ مَنْ وَلَّى عَنْهُ، وَاسْتَكْبَرَ بِالْأَيْدِي، وَالْأَلْسُنِ، حَتَّى يُنِيبُوا إِلَى طَاعَتِي، أَوْ يُعْطُوكُمُ الْجِزْيَةَ صِغَارًا إِنْ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ. وَأَمَرَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقِتَالِ مَنْ كَانَ مِنْهُ قِتَالٌ مِنْ مُقَاتَلَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ دُونَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ قِتَالٌ مِنْ نِسَائِهِمْ، وَذَرَارِيِّهِمْ، فَإِنَّهُمْ أَمْوَالٌ وَخُوِّلَ لَهُمْ إِذَا غَلَبَ الْمُقَاتِلُونَ مِنْهُمْ فَقَهَرُوا، فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ}

لِأَنَّهُ أَبَاحَ الْكَفَّ عَمَّنْ كَفَّ، فَلَمْ يُقَاتِلْ مِنْ مُشْرِكِي أَهْلِ الْأَوْثَانِ، وَالْكَافِّينَ عَنْ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ صِغَارًا. فَمَعْنَى قَوْلِهِ: {وَلَا تَعْتَدُوا}

لَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَلَا امْرَأَةً وَلَا مَنْ أَعْطَاكُمُ الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ"وَالْمَجُوسِ {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} "

الَّذِينَ يُجَاوِزُونَ حُدُودَهُ، فَيَسْتَحِلُّونَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ قَتْلِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَرَّمَ قَتْلَهُمْ مِنْ نِسَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَذَرَارِيِّهِمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت