الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ}
يَقُولَانِ: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا}
وَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ قَائِلُ ذَلِكَ كَانَ إِسْمَاعِيلُ.
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ، وَإِذْ يَقُولُ إِسْمَاعِيلُ: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا. فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ إِسْمَاعِيلُ مَرْفُوعًا بِالْجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَهُ، وَيَقُولُ حِينَئِذٍ خَبَرٌ لَهُ دُونَ إِبْرَاهِيمَ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِي رَفَعَ الْقَوَاعِدَ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ مِمَّنْ رَفَعَهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَفَعَهَا إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ جَمِيعًا.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ رَفَعَ قَوَاعِدَ الْبَيْتِ إِبْرَاهِيمُ، وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ الَّذِي رَفَعَ قَوَاعِدَ الْبَيْتِ إِبْرَاهِيمُ وَحْدَهُ وَإِسْمَاعِيلُ يَوْمَئِذٍ طِفْلٌ صَغِيرٌ.
عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ:"لَمَّا أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ، خَرَجَ مَعَهُ إِسْمَاعِيلُ وَهَاجَرُ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ رَأَى عَلَى رَأْسِهِ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ مِثْلَ الْغَمَامَةِ فِيهِ مِثْلُ الرَّأْسِ، فَكَلَّمَهُ، فَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ ابْنِ عَلَى ظِلِّي أَوْ عَلَى قَدْرِي وَلَا تَزِدْ وَلَا تَنْقُصْ. فَلَمَّا بَنَى خَرَجَ وَخَلَّفَ إِسْمَاعِيلَ وَهَاجَرَ، فَقَالَتْ هَاجَرُ: يَا إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَنْ تَكِلُنَا؟ قَالَ: إِلَى اللَّهِ. قَالَتِ: انْطَلِقْ فَإِنَّهُ لَا يُضَيِّعُنَا، قَالَ: فَعَطِشَ إِسْمَاعِيلُ عَطَشًا شَدِيدًا، قَالَ: فَصَعِدَتْ هَاجَرُ الصَّفَا فَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ فَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى الصَّفَا فَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، حَتَّى فَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَقَالَتْ: يَا إِسْمَاعِيلُ مُتْ حَيْثُ لَا أَرَاكَ. فَأَتَتْهُ وَهُوَ يَفْحَصُ بِرِجْلِهِ مِنَ الْعَطَشِ. فَنَادَاهَا جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهَا: مَنْ أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا هَاجَرُ أُمُّ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: إِلَى مَنْ وَكَلَكُمَا؟ قَالَتْ: وَكَلَنَا إِلَى اللَّهِ، قَالَ: وَكَلَكُمَا إِلَى كَافٍ، قَالَ: فَفَحَصَ الْأَرْضَ بِأُصْبُعِهِ فَنَبَعَتْ زَمْزَمُ، فَجَعَلَتْ تَحْبِسُ الْمَاءَ. فَقَالَ: دَعِيهِ فَإِنَّهَا رِوَاءٌ"
فَمَنْ قَالَ: رَفَعَ الْقَوَاعِدَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ، أَوْ قَالَ: رَفَعَهَا إِبْرَاهِيمُ وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ. فَالصَّوَابُ فِي قَوْلِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُضْمَرُ مِنَ الْقَوْلِ لِإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ، وَيَكُونُ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ}
يَقُولَانِ: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} .
وَقَدْ كَانَ يَحْتَمِلُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ الْمُضْمَرُ مِنَ الْقَوْلِ لِإِسْمَاعِيلَ خَاصَّةً دُونَ إِبْرَاهِيمَ، وَلِإِبْرَاهِيمَ خَاصَّةً دُونَ إِسْمَاعِيلَ؛ لَوْلَا مَا عَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مِنْ أَنَّ الْمُضْمَرَ مِنَ الْقَوْلِ لِإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ جَمِيعًا.
وَأَمَّا عَلَى التَّأْوِيلَ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ هُوَ الَّذِي رَفَعَ الْقَوَاعِدَ دُونَ إِسْمَاعِيلَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُضْمَرَ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَّا لِإِسْمَاعِيلَ خَاصَّةً.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُضْمَرَ مِنَ الْقَوْلِ لِإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ، وَأَنَّ قَوَاعِدَ الْبَيْتِ رَفَعَهَا إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ جَمِيعًا؛ وَذَلِكَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ إِنْ كَانَا هُمَا بَنَيَاهَا وَرَفَعَاهَا فَهُوَ مَا قُلْنَا، وَإِنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ تَفَرَّدَ بِبِنَائِهَا، وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ، فَهُمَا أَيْضًا رَفَعَاهَا؛ لِأَنَّ رَفْعَهَا كَانَ بِهِمَا مِنْ أَحَدِهِمَا الْبِنَاءُ وَمِنَ الْآخَرِ نَقْلُ الْحِجَارَةِ إِلَيْهَا وَمَعُونَةُ وَضْعِ الْأَحْجَارِ مَوَاضِعَهَا. وَلَا تَمْتَنِعُ الْعَرَبُ مِنْ نِسْبَةِ الْبِنَاءِ إِلَى مَنْ كَانَ بِسَبَبِهِ الْبِنَاءُ وَمَعُونَتِهِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ لِإِجْمَاعِ جَمِيعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ إِسْمَاعِيلَ مَعْنِيٌّ بِالْخَبَرِ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْ أَبِيهِ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُمَا: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}
فَمَعْلُومٌ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ لَمْ يَكُنْ لَيَقُولَ ذَلِكَ إِلَّا وَهُوَ إِمَّا رَجُلٌ كَامِلٌ، وَإِمَّا غُلَامٌ قَدْ فَهِمَ مَوَاضِعَ الضُّرِّ مِنَ النَّفْعِ، وَلَزِمَتْهُ فَرَائِضُ اللَّهِ وَأَحْكَامُهُ.
وَإِذَا كَانَ فِي حَالِ بِنَاءِ أَبِيهِ، مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِبِنَائِهِ وَرَفْعِهِ قَوَاعِدَ بَيْتِ اللَّهِ كَذَلِكَ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَارِكًا مَعُونَةَ أَبِيهِ، إِمَّا عَلَى الْبِنَاءِ، وَإِمَّا عَلَى نَقْلِ الْحِجَارَةِ. وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ فَقَدْ دَخَلَ فِي مَعْنَى مَنْ رَفَعَ قَوَاعِدَ الْبَيْتِ، وَثَبَتَ أَنَّ الْقَوْلَ الْمُضْمَرَ خَبَرٌ عَنْهُ وَعَنْ وَالِدِهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ}
يَقُولَانِ: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا عَمَلَنَا وَطَاعَتَنَا إِيَّاكَ وَعِبَادَتَنَا لَكَ فِي انْتِهَائِنَا إِلَى أَمْرِكَ الَّذِي أَمَرْتَنَا بِهِ فِي بِنَاءِ بَيْتِكَ الَّذِي أَمَرْتَنَا بِبِنَائِهِ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. وَفِي إِخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُمَا رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}
دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ بِنَاءَهُمَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَسْكَنًا يَسْكُنَانِهِ وَلَا مَنْزِلًا يَنْزِلَانِهِ، بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا بَنَيَاهُ وَرَفَعَا قَوَاعِدَهُ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ تَقَرُّبًا مِنْهُمَا إِلَى اللَّهِ بِذَلِكَ؛ وَلِذَلِكَ قَالَا: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} .
وَلَوْ كَانَا بَنَيَاهُ مَسْكَنًا لِأَنْفُسِهِمَا لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِمَا: {تَقَبَّلْ مِنَّا}
وَجْهٌ مَفْهُومٌ، لِأَنَّهُ كَانَا يَكُونَانِ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ سَائِلَيْنِ أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنْهُمَا مَا لَا قُرْبَةَ فِيهِ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ مَوْضِعُهُمَا مَسْأَلَةُ اللَّهِ قَبُولَ مَا لَا قُرْبَةَ إِلَيْهِ فِيهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}
وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}
إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ دُعَاءَنَا وَمَسْأَلَتَنَا إِيَّاكَ قَبُولَ مَا سَأَلْنَاكَ قَبُولَهُ مِنَّا مِنْ طَاعَتِكَ فِي بِنَاءِ بَيْتِكَ الَّذِي أَمَرْتَنَا بِبِنَائِهِ؛ الْعَلِيمُ بِمَا فِي ضَمَائِرِ نُفُوسِنَا مِنَ الْإِذْعَانِ لَكَ فِي الطَّاعَةِ وَالْمَصِيرِ إِلَى مَا فِيهِ لَكَ الرِّضَا وَالْمَحَبَّةُ، وَمَا نُبْدِي وَنُخْفِي مِنْ أَعْمَالِنَا.