فهرس الكتاب

الصفحة 4853 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(218)}

يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ذِكْرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ صَدَقُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَبِقَوْلِهِ.

{وَالَّذِينَ هَاجَرُوا}

الَّذِينَ هَجَرُوا مُسَاكَنَةَ الْمُشْرِكِينَ فِي أَمْصَارِهِمْ، وَمُجَاوَرَتَهُمْ فِي دِيَارِهِمْ، فَتَحَوَّلُوا عَنْهُمْ، وَعَنْ جِوَارِهِمْ وَبِلَادِهِمْ إِلَى غَيْرِهَا، هِجْرَةً. . لَمَّا انْتَقِلْ عَنْهُ إِلَى مَا انْتَقِلْ إِلَيْهِ.

وَأَصْلُ الْمُهَاجَرَةِ الْمُفَاعَلَةُ، مِنْ هِجْرَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ لِلشَّحْنَاءِ تَكُونُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ تُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ مَنْ هَجَرَ شَيْئًا لِأَمْرٍ كَرِهَهُ مِنْهُ.

وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُهَاجِرِينَ لِمَا وَصَفْنَا مِنْ هِجْرَتِهِمْ دُورِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ كَرَاهَةً مِنْهُمُ النُّزُولَ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ وَفِي سُلْطَانِهِمْ، بِحَيْثُ لَا يَأْمَنُونَ فِتْنَتَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي دِيَارِهِمْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَأْمَنُونَ ذَلِكَ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَجَاهَدُوا}

فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَقَاتَلُوا، وَحَارَبُوا وَأَصْلُ الْمُجَاهَدَةُ الْمُفَاعَلَةُ، مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ: قَدْ جَهَدَ فُلَانٌ فُلَانًا عَلَى كَذَا، إِذَا كَرَبَهُ وَشَقَّ عَلَيْهِ يَجْهَدُهُ جَهْدًا. فَإِذَا كَانَ الْفِعْلُ مِنَ اثْنَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُكَابِدُ مِنْ صَاحِبِهِ شِدَّةً، ومشقةً، قِيلَ: فُلَانٌ يُجَاهِدُ فُلَانًا، يَعْنِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَفْعَلُ بِصَاحِبِهِ مَا يَجْهَدُهُ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ، فَهُوَ يُجَاهِدُهُ مُجَاهَدَةً وَجِهَادًا وَأَمَّا سَبِيلُ اللَّهِ: فَطَرِيقُهُ وَدِينُهُ. فَمَعْنَى قَوْلِهِ إِذَا {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}

وَالَّذِينَ تَحَوَّلُوا مِنْ سُلْطَانِ أَهْلِ الشِّرْكِ هِجْرَةً لَهُمْ، وَخَوْفَ فِتْنَتِهِمْ عَلَى أَدْيَانِهِمْ، وَحَارَبُوهُمْ فِي دَيْنِ اللَّهِ لِيُدْخِلُوهُمْ فِيهِ، وَفِيمَا يُرْضِي اللَّهَ {أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ}

أَيْ يَطْمَعُونَ أَنْ يَرْحَمَهُمُ اللَّهُ فَيُدْخِلَهُمْ جَنَّتَهُ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ {وَاللَّهُ غَفُورٌ}

أَيْ سَاتِرٌ ذُنُوبَ عِبَادِهِ بِعَفْوِهِ عَنْهَا، مُتَفَضِّلٌ عَلَيْهِمْ بِالرَّحْمَةِ.

وَهَذِهِ الْآيَةُ أَيْضًا ذُكِرَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وَأَصْحَابِهِ.

عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ:"أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْقُرْآنَ بِمَا أُنْزِلَ مِنَ الْأَمْرِ، وَفَرَّجَ اللَّهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وَأَصْحَابِهِ، يَعْنِي فِي قَتْلِهِمُ ابْنَ الْحَضْرَمِيِّ، فَلَمَّا تَجَلَّى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وَأَصْحَابِهِ مَا كَانُوا فِيهِ حِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ، طَعِمُوا فِي الْأَجْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَطْمَعُ أَنْ تَكُونَ لَنَا غَزْوَةٌ نُعْطِي فِيهَا أَجْرَ الْمُجَاهِدِينَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} "

فَوَقَفَهُمُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَعْظَمِ الرَّجَاءِ""

وعَنْ قَتَادَةَ، قَالَ:"أَثْنَى اللَّهُ عَلَى أَصْحَابِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ الثَّنَاءِ، فَقَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} "

هَؤُلَاءِ خِيَارُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، ثُمَّ جَعَلَهُمُ اللَّهُ أَهْلَ رَجَاءٍ كَمَا تَسْمَعُونَ، وَأَنَّهُ مَنْ رَجَا طَلَبَ وَمَنْ خَافَ هَرَبَ""

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت