يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: فَاذْكُرُونِي أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِطَاعَتِكُمْ إِيَّايَ فِيمَا آمُرُكُمْ بِهِ وَفِيمَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ، أَذْكُرْكُمْ بِرَحْمَتِي إِيَّاكُمْ وَمَغْفِرَتِي لَكُمْ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ مِنَ الذِّكْرِ بِالثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: اشْكُرُوا لِي أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِيمَا أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ وَالْهِدَايَةِ لِلَّذِينَ الَّذِي شَرَعْتُهُ لِأَنْبِيَائِي وَأَصْفِيَائِي {وَلَا تَكْفُرُونِ}
يَقُولُ: وَلَا تَجْحَدُوا إِحْسَانِي إِلَيْكُمْ، فَأَسْلُبَكُمْ نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِ اشْكُرُوا لِي عَلَيْهَا وَأَزِيدَكُمْ فَأُتَمِّمَ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ، وَأَهْدِيَكُمْ لِمَا هَدَيْتُ لَهُ مَنْ رَضِيتُ عَنْهُ مِنْ عِبَادِي، فَإِنِّي وَعَدْتُ خَلْقِي أَنَّ مَنْ شَكَرَ لِي زِدْتُهُ، وَمَنْ كَفَرَنِي حَرَمْتُهُ وَسَلَبْتُهُ مَا أَعْطَيْتُهُ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: نَصَحْتُ لَكَ وَشَكَرْتُ لَكَ، وَلَا تَكَادُ تَقُولُ نَصَحْتُكَ، وَرُبَّمَا قَالَتْ شَكَرْتُكَ وَنَصَحْتُكَ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
هُمُ جَمَعُوا بُؤْسَى وَنُعْمَى عَلَيْكُمُ ... فَهَلَّا شَكَرْتَ الْقَوْمَ إِنْ لَمْ تُقَاتِلِ
وَقَالَ النَّابِغَةُ فِي «نَصَحْتُكَ» :
[البحر الطويل]
نَصَحْتُ بَنِي عَوْفٍ فَلَمْ يَتَقَبَّلُوا ... رَسُولِي وَلَمْ تَنْجَحْ لَدَيْهِمْ وَسَائِلِي
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى الشُّكْرِ: الثَّنَاءُ عَلَى الرَّجُلِ بِأَفْعَالِهِ الْمَحْمُودَةِ، وَأَنَّ مَعْنَى الْكُفْرِ تَغْطِيَةُ الشَّيْءِ، فِيمَا مَضَى قَبْلُ.