فهرس الكتاب

الصفحة 902 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}

وَمَعْنَى ذَلِكَ {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}

بِتَمَامِهَا، فَالْأَرْبَعُونَ لَيْلَةً كُلُّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْمِيعَادِ.

وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ أَنَّ مَعْنَاهُ: وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى انْقِضَاءَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً أَيْ رَأْسُ الْأَرْبَعِينِ، وَمَثَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ}

وَبِقَوْلِهِمُ الْيَوْمَ أَرْبَعُونَ مُنْذُ خَرَجَ فُلَانٌ، وَالْيَوْمَ يَوْمَانِ، أَيِ الْيَوْمَ تَمَامُ يَوْمَيْنِ وَتَمَامُ أَرْبَعِينَ. وَذَلِكَ خِلَافُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ وَخِلَافُ ظَاهِرِ التِّلَاوَةِ، فَأَمَّا ظَاهِرُ التِّلَاوَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ وَاعَدَ مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ إِحَالَةُ ظَاهِرِ خَبَرِهِ إِلَى بَاطِنٍ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ دَالٍّ عَلَى صِحَّتِهِ.

وَأَمَّا أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي ذَلِكَ مَا أَنَا ذَاكِرُهُ.

عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}

قَالَ: يَعْنِي ذَا الْقَعْدَةِ وَعَشْرًا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَذَلِكَ حِينَ خَلَفَ مُوسَى أَصْحَابَهُ وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ هَارُونَ، فَمَكَثَ عَلَى الطُّورِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ التَّوْرَاةَ فِي الْأَلْوَاحِ، وَكَانَتِ الْأَلْوَاحُ مِنْ زَبَرْجَدٍ. فَقَرَّبَهُ الرَّبُّ إِلَيْهِ نَجِيًّا، وَكَلَّمَهُ، وَسَمِعَ صَرِيفَ الْقَلَمِ. وَبَلَغَنَا أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثُ حَدَثًا فِي الْأَرْبَعِينَ لَيْلَةً حَتَّى هَبَطَ مِنَ الطُّورِ""

وقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ:"وَعَدَ اللَّهُ مُوسَى حِينَ أَهْلَكَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، وَنَجَّاهُ وَقَوْمَهُ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَتَمَّهَا بِعَشْرٍ، فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، تَلَقَّاهُ رَبُّهُ فِيهَا بِمَا شَاءَ. وَاسْتَخْلَفَ مُوسَى هَارُونَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَالَ: إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى رَبِّي فَاخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ. فَخَرَجَ مُوسَى إِلَى رَبِّهِ مُتَعَجِّلًا لِلِقَائِهِ شَوْقًا إِلَيْهِ، وَأَقَامَ هَارُونُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمَعَهُ السَّامِرِيُّ يَسِيرُ بِهِمْ عَلَى أَثَرِ مُوسَى لِيُلْحِقَهُمْ بِهِ"

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ}

وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ}

ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ فِي أَيَّامِ مُوَاعَدَةِ مُوسَى الْعِجْلَ إِلَهًا مِنْ بَعْدِ أَنْ فَارَقَكُمْ مُوسَى مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَوْعِدِ. وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ {مِنْ بَعْدِهِ}

عَائِدَةٌ عَلَى ذِكْرِ مُوسَى. فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْمُخَالِفِينَ نَبِيَّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْمُكَذِّبِينَ بِهِ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، عَنْ فِعْلِ آبَائِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُمْ وَخِلَافِهِمْ أَنْبِيَاءَهُمْ، مَعَ تَتَابُعِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ وَسُبُوغِ آلَائِهِ لَدَيْهِمْ، مُعَرِّفَهُمْ بِذَلِكَ

أَنَّهُمْ مِنْ خِلَافِهِمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَكْذِيبِهِمْ بِهِ وَجُحُودِهِمْ لِرِسَالَتِهِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِصِدْقِهِ عَلَى مِثْلِ مِنْهَاجِ آبَائِهِ وَأَسْلَافِهِمْ، وَمُحَذِّرَهُمْ مِنْ نُزُولِ سَطْوَتِهِ بِهِمْ بِمَقَامِهِمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ مَا نَزَلَ بِأَوَائِلِهِمُ الْمُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ مِنَ الْمَسْخِ وَاللَّعْنِ وَأَنْوَاعِ النِّقْمَاتِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت