فهرس الكتاب

الصفحة 1871 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(100)}

اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي حُكْمِ الْوَاوِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا}

فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرِيِّينَ: هِيَ وَاوٌ تُجْعَلُ مَعَ حُرُوفِ الِاسْتِفْهَامِ، وَهِيَ مِثْلُ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ}

قَالَ: وَهُمَا زَائِدَتَانِ فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَهِيَ مِثْلُ الْفَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: فَاللَّهِ لَتَصْنَعَنَّ كَذَا وَكَذَا، وَكَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ: أَفَلَا تَقُومُ؛ وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الْفَاءَ وَالْوَاوَ هَهُنَا حَرْفَ عَطْفٍ.

وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ: هِيَ حَرْفُ عَطْفٍ أُدْخِلَ عَلَيْهَا حَرْفُ الِاسْتِفْهَامِ.

وَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي مِنَ الْقَوْلِ أَنَّهَا وَاوُ عَطْفٍ أُدْخِلَتْ عَلَيْهَا أَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ، كَأَنَّهُ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا}

{أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ}

ثُمَّ أَدْخَلَ أَلِفَ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى وَكُلَّمَا، فَقَالَ: {قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا}

{أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ}

وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَرْفٌ لَا مَعْنَى لَهُ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَةِ الْبَيَانِ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْوَاوَ وَالْفَاءَ مِنْ قَوْلِهِ

{أَوَكُلَّمَا}

وَ {أَفَكُلَّمَا}

زَائِدَتَانَ لَا مَعْنَى لَهُمَا.

وَأَمَّا الْعَهْدُ: فَإِنَّهُ الْمِيثَاقُ الَّذِي أَعْطَتْهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ رَبَّهُمْ لَيَعْمَلُنَّ بِهَا فِي التَّوْرَاةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، ثُمَّ نَقَضَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى. فَوَبَّخَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ بِمَا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَعَيَّرَ بِهِ أَبْنَاءَهُمْ إِذْ سَلَكُوا مِنْهَاجَهُمْ فِي بَعْضِ مَا كَانَ جَلَّ ذِكْرُهُ أَخَذَ عَلَيْهِمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ فَكَفَرُوا وَجَحَدُوا مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ نَعْتِهِ وَصِفَتِهِ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَوَكُلَّمَا عَاهَدَ الْيَهُودُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رَبَّهُمْ عَهْدًا وَأَوْثَقُوهُ مِيثَاقًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ فَتَرَكَهُ وَنَقَضَهُ؟

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَمَّا النَّبْذُ فَإِنَّ أَصْلَهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الطَّرْحُ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْمَلْقُوطِ: الْمَنْبُوذُ؛ لِأَنَّهُ مَطْرُوحٌ مَرْمِيٌّ بِهِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ النَّبِيذُ نَبِيذًا، لِأَنَّهُ زَبِيبٌ أَوْ تَمْرٌ يُطْرَحُ فِي وِعَاءٍ ثُمَّ يُعَالَجُ بِالْمَاءِ.

وَأَصْلُهُ مَفْعُولٌ صُرِفَ إِلَى فَعِيلٍ، أَعْنِي أَنَّ النَّبِيذَ أَصْلُهُ مَنْبُوذٌ ثُمَّ صُرِفَ إِلَى فَعِيلٍ، فَقِيلَ نَبِيذٌ كَمَا قِيلَ كَفٌّ خَضِيبٌ وَلِحْيَةٌ دَهِينٌ، يَعْنِي مَخْضُوبَةً وَمَدْهُونَةً؛ يُقَالُ مِنْهُ: نَبَذْتُهُ أَنْبُذُهُ نَبْذًا، كَمَا قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ:

[البحر الطويل]

نَظَرْتَ إِلَى عُنْوَانِهِ فَنَبَذْتَهُ ... كَنَبْذِكَ نَعْلَا أَخْلَقَتْ مِنْ نِعَالِكَا

فَمَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ}

طَرَحَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ فَتَرَكَهُ وَرَفَضَهُ وَنَقَضَهُ.

عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ:"قَوْلُهُ: {نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ} "

قَالَ: لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ عَهْدٌ يُعَاهِدُونَ عَلَيْهِ إِلَّا نَقَضُوهُ، وَيُعَاهِدُونَ الْيَوْمَ وَيَنْقُضُونَ غَدًا""

قَالَ: وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: «نَقَضَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ» وَالْهَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {نَبَذَهُ}

مِنْ ذِكْرِ الْعَهْدِ، فَمَعْنَاهُ: أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَ ذَلِكَ الْعَهْدَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ. وَالْفَرِيقُ الْجَمَاعَةُ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ بِمَنْزِلَةِ الْجَيْشِ وَالرَّهْطِ الَّذِي لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ. وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ اللَّتَانِ فِي قَوْلِهِ: {فَرِيقٌ مِنْهُمْ}

مِنْ ذِكْرِ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}

فَإِنَّهُ يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ: بَلْ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كُلَّمَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَهْدًا وَوَاثَقُوهُ مَوْثِقًا نَقَضَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. وَلِذَلِكَ وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ دَلَالَةً عَلَى الزِّيَادَةِ وَالتَّكْثِيرِ فِي عَدَدِ الْمُكَذِّبِينَ النَّاقِضِينَ عَهْدَ اللَّهِ عَلَى عَدَدِ الْفَرِيقِ، فَيَكُونَ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ مَعْنَاهُ: أَوَكُلَّمَا عَاهَدَتِ الْيَهُودُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رَبَّهَا عَهْدًا نَقَضَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ذَلِكَ الْعَهْدَ؟ لَا مَا يَنْقُضُ ذَلِكَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّ الَّذِي يَنْقُضُ ذَلِكَ فَيَكْفُرُ بِاللَّهِ أَكْثَرُهُمْ لَا الْقَلِيلُ مِنْهُمْ. فَهَذَا أَحَدُ وَجْهَيْهِ.

وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: أَوَكُلَّمَا عَاهَدَتِ الْيَهُودُ رَبَّهَا عَهْدًا نَبَذَ ذَلِكَ الْعَهْدَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ؟ لَا مَا يَنْبُذُ ذَلِكَ الْعَهْدَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ فَيَنْقُضُهُ عَلَى الْإِيمَانِ مِنْهُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُمْ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يُصَدِّقُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَا وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ.

وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عَلَى مَعْنَى الْإِيمَانِ وَأَنَّهُ التَّصْدِيقُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت