الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: إِنَّ رَبَّكُمْ وَإِنْ أَذِنَ لَكُمْ فِي مُخَالَطَتِكُمُ الْيَتَامَى عَلَى مَا أَذِنَ لَكُمْ بِهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَنْ تُخَالِطُوهُمُ وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَكْلَ أَمْوَالِهِمْ بِالْبَاطِلِ، وَتَجْعَلُونَ مُخَالَطَتَكِمْ إِيَّاهُمْ ذَرِيعَةً لَكُمْ إِلَى إِفْسَادِ أَمْوَالِهِمْ، وَأَكْلِهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا، فَتَسْتَوْجِبُوا بِذَلِكَ مِنْهُ الْعُقُوبَةَ الَّتِي لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهَا، فَإِنَّهُ يَعْلَمُ مَنْ خَالَطَ مِنْكُمْ يَتِيمَهُ، فَشَارَكَهُ فِي مَطْعَمِهِ، وَمَشْرَبِهِ، وَمَسْكَنِهِ، وَخَدَمِهِ، وَرُعَاتِهِ فِي حَالِ مُخَالَطَتِهِ إِيَّاهُ مَا الَّذِي يَقْصِدُ بِمُخَالَطَتِهِ إِيَّاهُ إِفْسَادَ مَالِهِ، وَأَكْلَهُ بِالْبَاطِلِ، أَمْ إِصْلَاحَهُ وَتَثْمِيرَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَيَعْلَمُ أَيُّكُمُ الْمُرِيدُ إِصْلَاحَ مَالِهِ، مِنَ الْمُرِيدِ إِفْسَادَهُ.
قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَمَنْ خَالَطَ يَتِيمًا فَلْيَتَوَسَّعْ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَالَطَهُ لِيَأْكُلَ مَالَهُ فَلَا يَفْعَلْ""
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَحَرَّمَ مَا أَحَلَّهُ لَكُمْ مِنْ مُخَالَطَةِ أَيْتَامِكُمْ بِأَمْوَالِكُمْ أَمْوَالَهُمْ، فَجَهَدَكُمْ ذَلِكَ وَشَقَّ عَلَيْكُمْ، وَلَمْ تَقْدِرُوا عَلَى الْقِيَامِ بِاللَّازِمِ لَكُمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْوَاجِبُ عَلَيْكُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ فَرْضِهِ، وَلَكِنَّهُ رَخَّصَ لَكُمْ فِيهِ، وَسَهَّلَهُ عَلَيْكُمْ، رَحْمَةً بِكُمْ وَرَأْفَةً.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {لَأَعْنَتَكُمْ}
فَقَالَ بَعْضُهُمْ
عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ:" {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ} "
لَحَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَرْعَى، وَالْأُدْمَ""
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ مُجَاهِدًا، رَعْي مَوَاشِي وَالِي الْيَتِيمِ مَعَ مَوَاشِي الْيَتِيمِ، وَالْأَكْلِ مِنْ إِدَامِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّلُ فِي قَوْلِهِ: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ}
أَنَّهُ خُلْطَةُ الْوَلِيِّ الْيَتِيمَ بِالرَّعْيِ، وَالْأُدْمِ.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:" {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ} "
يَقُولُ: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَحْرَجَكُمْ، فَضَيَّقَ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنَّهُ وَسَّعَ وَيَسَّرَ، فَقَالَ: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} ""
وعَنْ قَتَادَةَ:" {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ} : لَجَهَدَكُمْ، فَلَمْ تَقُومُوا بِحَقٍّ، وَلَمْ تُؤَدُّوا فَرِيضَةً"
وعَنِ السُّدِّيِّ:" {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ} "
لَشَدَّدَ عَلَيْكُمْ""
وقَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ:" {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ} "
قَالَ: لَشَقَّ عَلَيْكُمْ فِي الْأَمْرِ، ذَلِكَ الْعَنَتُ""
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ:" {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ} "
قَالَ: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَ مَا أَصَبْتُمْ مِنْ أَمْوَالٍ مَوْبِقًا""
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَمَّنْ ذَكَرْتُ عَنْهُ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ قَائِلِيهَا فِيهَا، فَإِنَّهَا مُتَقَارِبَاتُ الْمَعَانِي؛ لِأَنَّ مَنْ حُرِّمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَقَدْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَمَنْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ، فَقَدْ أُحْرِجَ فِيهِ، وَمَنْ أُحْرِجَ فِي شَيْءٍ، أَوْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ فِيهِ فَقَدْ جَهَدَ، وَكُلُّ ذَلِكَ عَائِدٌ إِلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْتُ مِنْ أَنِّ مَعْنَاهُ الشِّدَّةُ وَالْمَشَقَّةُ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: عَنِتَ فُلَانٌ: إِذَا شَقَّ عَلَيْهِ وَجَهَدَهُ فَهُوَ يَعْنَتُ عَنَتًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ}
يَعْنِي مَا شَقَّ عَلَيْكُمْ وَآذَاكُمْ وَجَهَدَكُمْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ}
فَهَذَا إِذَا عَنِتَ الْعَانِتُ، فَإِنْ صَيَّرَهُ غَيْرُهُ كَذَلِكَ قِيلَ: أَعْنَتَهُ فُلَانٌ فِي كَذَا: إِذَا جَهَدَهُ وَأَلْزَمَهُ أَمْرًا جَهَدَهُ الْقِيَامُ بِهِ يُعْنِتُهُ إِعْنَاتًا، فَكَذَلِكَ قَوْلُهَ: {لَأَعْنَتَكُمْ}
مَعْنَاهُ: لَأَوْجَبَ لَكُمُ الْعَنَتَ بِتَحْرِيمِهِ عَلَيْكُمْ مَا يُجْهِدُكُمْ وَيُحْرِجُكُمْ مِمَّا لَا تُطِيقُونَ الْقِيَامَ بِاجْتِنَابِهِ وَأَدَاءِ الْوَاجِبِ لَهُ عَلَيْكُمْ فِيهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: لَأَوْبَقَكُمْ، وَأَهْلَكَكُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ فِي سُلْطَانِهِ لَا يَمْنَعُهُ مَانِعٌ مِمَّا أَحَلَّ بِكُمْ مِنْ عُقُوبَةٍ، لَوْ أَعْنَتَكُمْ بِمَا يُجْهِدْكُمُ الْقِيَامُ بِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ، فَقَصَّرْتُمْ فِي الْقِيَامِ بِهِ، وَلَا يَقْدِرُ دَافِعٌ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْ ذَلِكَ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ مِمَّا يَفْعَلُهُ بِكُمْ وَبِغَيْرِكُمْ مِنْ ذَلِكَ لَوْ فَعَلَهُ هُوَ، لَكِنَّهُ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ مَنَّ عَلَيْكُمْ بِتَرْكِ تَكْلِيفِهِ إِيَّاكُمْ ذَلِكَ، وَهُوَ حَكِيمٌ فِي ذَلِكَ لَوْ فَعَلَهُ بِكُمْ، وَفِي غَيْرِهِ مِنْ أَحْكَامِهِ، وَتَدْبِيرِهِ لَا يَدْخُلُ أَفْعَالَهُ خَلَلٌ، وَلَا نَقْصٌ، وَلَا وَهْي، وَلَا عَيْبٌ، لِأَنَّهُ فِعْلُ ذِي الْحِكْمَةِ الَّذِي لَا يَجْهَلُ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ، فَيَدْخُلُ تَدْبِيرَهُ مَذَمَّةُ عَاقِبَةٍ، كَمَا يَدْخُلُ ذَلِكَ أَفْعَالَ الْخَلْقِ لِجَهْلِهِمْ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ، لِسُوءِ اخْتِيَارِهِمْ فِيهَا ابْتِدَاءً.