فهرس الكتاب

الصفحة 1628 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) }

وَيَتَّجِهُ فِي قَوْلِهِ: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ}

وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ: ثُمَّ أَنْتُمْ يَا هَؤُلَاءِ، فَتَرَكَ يَا اسْتِغْنَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا}

وَتَأْوِيلُهُ: يَا يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: ثُمَّ أَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، بَعْدَ إِقْرَارِكُمْ بِالْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذْتُهُ عَلَيْكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ، ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ بَعْدَ شَهَادَتِكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِي عَلَيْكُمْ لَازِمٌ لَكُمُ الْوَفَاءُ لِي بِهِ {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ}

مُتَعَاوِنِينَ عَلَيْهِمْ فِي إِخْرَاجِكُمْ إِيَّاهُمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.

وَالتَّعَاوُنُ: هُوَ التَّظَاهُرُ؛ وَإِنَّمَا قِيلَ: لِلتَّعَاوُنِ التَّظَاهُرُ، لِتَقْوِيَةِ بَعْضِهِمْ ظَهْرَ بَعْضٍ، فَهُوَ تَفَاعُلٌ مِنَ الظَّهْرِ، وَهُوَ مُسَانَدَةُ بَعْضِهِمْ ظَهْرَهُ إِلَى ظَهْرِ بَعْضٍ.

وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: ثُمَّ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ؛ فَيَرْجِعُ إِلَى الْخَبَرِ عَنْ أَنْتُمْ، وَقَدِ اعْتَرَضَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْخَبَرِ عَنْهُمْ بِهَؤُلَاءِ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: أَنَا ذَا أَقُومُ، وَأَنَا هَذَا أَجْلِسُ، وَإِذْ قِيلَ: أَنَا هَذَا أَجْلِسُ كَانَ صَحِيحًا جَائِزًا، كَذَلِكَ أَنْتَ ذَاكَ تَقُومُ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَةِ نَحْوَ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَنْ عُنِيَ بِقَوْلِهِ: {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ}

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:" {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} "

إِلَى أَهْلِ الشِّرْكِ حَتَّى تَسْفِكُوا دِمَاءَهُمْ مَعَهُمْ، وَتُخْرِجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ مَعَهُمْ. فَقَالَ: أَنَّبَهُمُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَقَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ سَفْكَ دِمَائِهِمْ، وَافْتَرَضَ عَلَيْهِمْ فِيهَا فِدَاءَ أَسْرَاهُمْ؛ فَكَانُوا فَرِيقَيْنِ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعٍ حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ وَالنَّضِيرُ وَقُرَيْظَةَ حُلَفَاءُ الْأَوْسُ، فَكَانُوا إِذَا كَانَتْ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ حَرْبٌ خَرَجَتْ بَنُو قَيْنُقَاعٍ مَعَ الْخَزْرَجِ، وَخَرَجَتِ النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ مَعَ الْأَوْسِ، يُظَاهِرُ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ حُلَفَاءَهُ عَلَى إِخْوَانِهِ حَتَّى يَتَسَافَكُوا دِمَاءَهُمْ بَيْنَهُمْ وَبِأَيْدِيهِمُ التَّوْرَاةُ يَعْرِفُونَ مِنْهَا مَا عَلَيْهِمْ وَمَا لَهُمْ، وَالْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ أَهْلُ شِرْكٍ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ لَا يَعْرِفُونَ جَنَّةً وَلَا نَارًا، وَلَا بَعْثًا، وَلَا قِيَامَةً، وَلَا كِتَابًا، وَلَا حَرَامًا، وَلَا حَلَالًا؛ فَإِذَا وَضَعَتِ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا افْتَدَوْا أَسْرَاهُمْ، تَصْدِيقًا لِمَا فِي التَّوْرَاةِ وَأَخَذَا بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ: يَفْتَدِي بَنُو قَيْنُقَاعٍ مَا كَانَ مِنْ أَسْرَاهُمْ فِي أَيْدِي الْأَوْسِ، وَتَفْتَدِي النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ مَا كَانَ فِي أَيْدِي الْخَزْرَجِ مِنْهُمْ، ويُطِلُّونَ مَا أَصَابُوا مِنَ الدِّمَاءِ وَقَتَلُوا مَنْ قَتَلُوا مِنْهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ مُظَاهَرَةً لِأَهْلِ الشِّرْكِ عَلَيْهِمْ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ حِينَ أَنَّبَهُمْ بِذَلِكَ: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}

أَيْ تُفَادُونَهُ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ وَتَقْتُلُونَهُ؛ وَفِي حُكْمِ التَّوْرَاةِ أَنْ لَا يَقْتُلَ وَلَا يَخْرُجَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُظَاهِرَ عَلَيْهِ مَنْ يُشْرِكُ بِاللَّهِ وَيَعْبُدُ الْأَوْثَانَ مِنْ دُونِهِ ابْتِغَاءَ عَرَضٍ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا. فَفِي ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ مَعَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فِيمَا بَلَغَنِي نَزَلَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ""

وَقَالَ آخَرُونَ: «كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا اسْتُضْعِفُوا قَوْمًا أَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ، وَقَدْ أُخِذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقُ أَنْ لَا يَسْفِكُوا دِمَاءَهُمْ وَلَا يُخْرِجُوا أَنْفُسُهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ»

وَأَمَّا الْعُدْوَانُ فَهُوَ الْفُعْلَانُ مِنَ التَّعَدِّي، يُقَالُ مِنْهُ: عَدَا فُلَانٌ فِي كَذَا عَدْوًا وَعُدْوَانًا، وَاعْتَدَى يَعْتَدِيَ اعْتِدَاءٍ، وَذَلِكَ إِذَا جَاوَزَ حَدَّهُ ظُلْمًا وَبَغْيًا

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ: {تَظَاهَرُونَ}

فَقَرَأَهَا بَعْضُهُمْ: {تَظَاهَرُونَ} ، عَلَى مِثَالِ تَفَاعَلُونَ فَحَذَفَ التَّاءَ الزَّائِدَةَ وَهِيَ التَّاءُ الْآخِرَةُ.

وَقَرَأَهَا آخَرُونَ: (تَظَّاهَرُونَ) فَشَدَّدَ بِتَأْوِيلِ {تَظَاهَرُونَ}

غَيْرَ أَنَّهُمْ أَدْغَمُوا التَّاءَ الثَّانِيَةَ فِي الظَّاءِ لِتَقَارُبِ مَخْرَجَيْهِمَا فَصَيَّرُوهُمَا ظَاءً مُشَدَّدَةً. وَهَاتَانِ الْقِرَاءَتَانِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُمَا فَإِنَّهُمَا مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى، فَسَوَاءٌ بِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئُ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ وَقِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي أَمْصَارِ الْإِسْلَامِ بِمَعْنَى وَاحِدٍ لَيْسَ فِي إِحْدَاهُمَا مَعْنَى تَسْتَحِقُّ بِهِ اخْتِيَارَهَا عَلَى الْأُخْرَى إِلَّا أَنْ يَخْتَارَ مُخْتَارٌ تَظَّاهَرُونَ الْمُشَدَّدَةَ طَلَبًا مِنْهُ تَتِمَّةَ الْكَلِمَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت