فَعَاقَبَهُ اللَّهُ فِيمَا ذُكِرَ لَنَا بِمَسْأَلَتِهِ الْآيَةَ، بَعْدَ مُشَافَهَةِ الْمَلَائِكَةِ إِيَّاهُ بِالْبِشَارَةِ، فَجَعَلَ آيَتَهُ عَلَى تَحْقِيقِ مَا سَمِعَ مِنَ الْبِشَارَةِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِيَحْيَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ آيَةً مِنْ نَفْسِهِ، جَمَعَ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِهَا الْعَلَامَةَ الَّتِي سَأَلَهَا رَبَّهُ عَلَى مَا يُبَيِّنُ لَهُ حَقِيقَةَ الْبِشَارَةِ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَتَمْحِيصًا لَهُ مِنْ هَفْوَتِهِ، وَخَطَأَ قِيلِهِ وَمَسْأَلَتِهِ. انتهى كلامه.
وكان الأَولى أن يراعي الأدب مع أنبياء الله - صلى الله عليهم وسلم - وزكريا - عليه السلام - لم يطلب الآية شكا في قدرة الله، فهذا - إن وقع من آحاد العوام - خرجوا به عن الملة - والعياذ بالله - إنما طلب الآية ليتعجل شكر النعمة، وهذا شأن المصطفَين الأخيار الذين قال الله في حقهم {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}
والله أعلم.
وَقَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) }
وَقَوْلُهُ: {رَأَى كَوْكَبًا}
يَقُولُ: أَبْصَرَ كَوْكَبًا حِينَ طَلَعَ، {قَالَ هَذَا رَبِّي} ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ: يَعْنِي بِهِ: الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ.
{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي}
فعَبَدَهُ حَتَّى غَابَ، فَلَمَّا غَابَ قَالَ: لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ: هَذَا رَبِّي، فَعَبَدَهُ حَتَّى غَابَ، فَلَمَّا غَابَ قَالَ: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ: هَذَا رَبِّي، هَذَا أَكْبَرُ فَعَبَدَهَا حَتَّى غَابَتْ [1] ، فَلَمَّا غَابَتْ قَالَ: يَا قَوْمِ، إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. انتهى كلامه.
ثم قال:
وَأَنْكَرَ قَوْمٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الرِّوَايَةِ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ، مِنْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ قَالَ لِلْكَوْكَبِ أَوْ لِلْقَمَرِ: هَذَا رَبِّي، وَقَالُوا: غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ نَبِيُّ ابْتَعَثَهُ بِالرِّسَالَةِ أَتَى عَلَيْهِ وَقْتٌ مِنَ الْأَوْقَاتِ وَهُوَ بَالِغٌ إِلَّا وَهُوَ لِلَّهِ مُوَحِّدٌ وَبِهِ عَارِفٌ، وَمِنْ كُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ بَرِيءٌ.
قَالُوا: وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَتَى عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَوْقَاتِ وَهُوَ بِهِ كَافِرٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْتَصَّهُ بِالرِّسَالَةِ، لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى فِيهِ إِلَّا وَفِي غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ مِثْلُهُ، وَلَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ مُنَاسَبَةٌ فَيُحَابِيهِ بِاخْتِصَاصِهِ بِالْكَرَامَةِ.
قَالُوا: وَإِنَّمَا أَكْرَمَ مَنْ أَكْرَمَ مِنْهُمْ لِفَضْلِهِ فِي نَفْسِهِ، فَأَثَابَهُ لِاسْتِحْقَاقِهِ الثَّوَابَ بِمَا أَثَابَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ.
وَزَعَمُوا أَنَّ خَبَرَ اللَّهِ عَنْ قِيلِ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ الْكَوْكَبَ أَوِ الْقَمَرَ أَوِ الشَّمْسَ: (هَذَا رَبِّي) ، لَمْ يَكُنْ لِجَهْلِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ رَبَّهُ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ رَبَّهُ، وَعَلَى الْعَيْبِ لِقَوْمِهِ فِي عِبَادَتِهِمُ الْأَصْنَامَ، إِذْ كَانَ الْكَوْكَبُ وَالْقَمَرُ وَالشَّمْسُ أَضْوَأَ وَأَحْسَنَ وَأَبْهَجَ مِنَ الْأَصْنَامِ، وَلَمْ تَكُنْ مَعَ ذَلِكَ مَعْبُودَةً، وَكَانَتْ آفِلَةً زَائِلَةً غَيْرَ دَائِمَةً، وَالْأَصْنَامُ الَّتِي دُونَهَا فِي الْحُسْنِ، وَأَصْغَرُ مِنْهَا فِي الْجِسْمِ، أَحَقُّ أَنْ لَا تَكُونَ مَعْبُودَةً، وَلَا آلِهَةً. قَالُوا: وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لَهُمْ مُعَارَضَةً، كَمَا يَقُولُ أَحَدُ الْمُتَنَاظِرَينَ لِصَاحِبِهِ مُعَارِضًا لَهُ فِي قَوْلِ بَاطِلٍ قَالَ بِهِ بِبَاطِلٍ مِنَ الْقَوْلِ عَلَى وَجْهِ مُطَالَبَتِهِ إِيَّاهُ بِالْفُرْقَانِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ الْفَاسِدَيْنِ عِنْدَهُ اللَّذَيْنِ يُصَحِّحُ خَصْمُهُ أَحَدَهُمَا وَيَدَّعِي فَسَادَ الْآخَرَ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ فِي حَالِ طُفُولِيَّتِهِ وَقَبْلَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، وَتِلْكَ حَالٌ لَا يَكُونُ فِيهَا كُفْرٌ وَلَا إِيمَانٌ.