وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً}
فَإِنَّهُ يَقُولُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ إِنْ كَانَ نَعِيمُ الدَّارِ الْآخِرَةِ وَلَذَّاتُهَا لَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ عِنْدَ اللَّهِ. فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الدَّارِ مِنْ ذِكْرِ نَعِيمِهَا لِمَعْرِفَةِ الْمُخَاطَبِينَ بِالْآيَةِ مَعْنَاهَا.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الدَّارِ الْآخِرَةِ فِيمَا مَضَى.
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {خَالِصَةً}
فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ صَافِيَةً، كَمَا يُقَالُ: خَلَصَ لِي فُلَانٌ بِمَعْنَى صَارَ لِي وَحْدِي وَصَفَا لِي؛ يُقَالُ مِنْهُ: خَلَصَ لِيْ هَذَا الشَّيْءُ، فَهُوَ يَخْلُصُ خُلُوصًا وَخَالِصَةً، وَالْخَالِصَةُ مَصْدَرٌ مِثْلُ الْعَافِيَةِ، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: هَذَا خُلْصَانِي، يَعْنِي خَالِصَتِي مِنْ دُونِ أَصْحَابِي.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ: {خَالِصَةً}
خَاصَّةَ، وَذَلِكَ تَأْوِيلٌ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى التَّأْوِيلِ الَّذِي قُلْنَاهُ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {مِنْ دُونِ النَّاسِ}
فَإِنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ التَّنْزِيلِ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَنَا الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ جَمِيعِ النَّاسِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَوْلَهُمْ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَحَدًا مِنْ بَنِي آدَمَ إِخْبَارُ اللَّهِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} . إِلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلٌ غَيْرُ ذَلِكَ
قَالَ:" {مِنْ دُونِ النَّاسِ} "
يَقُولُ: مِنْ دُونِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ اسْتَهْزَأْتُمْ بِهِمْ، وَزَعَمْتُمْ أَنَّ الْحَقَّ فِي أَيْدِيكُمْ، وَأَنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَكُمْ دُونَهُمْ""
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ}
فَإِنَّ تَأْوِيلَهُ: تَشَهُّوهُ وَأَرِيدُوهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي تَأْوِيلِهِ: فَسَلُوا الْمَوْتَ. وَلَا يُعْرَفُ التَّمَنِّي بِمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ أَحْسِبُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَجَّهَ مَعْنَى الْأُمْنِيَّةِ إِذْ كَانَتْ مَحَبَّةَ النَّفْسِ وَشَهْوَتَهَا إِلَى مَعْنَى الرَّغْبَةِ وَالْمَسْأَلَةِ، إِذْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ رَغْبَةُ السَّائِلِ إِلَى اللَّهِ فِيمَا سَأَلَهُ.