فهرس الكتاب

الصفحة 659 من 6201

القول في تأويل قوله: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) }

زعم بعض المنسوبين إلى العلم بلغات العرب من أهل البصرة: أن تأويل قوله:"وإذ قال ربك"، وقال ربك؛ وأن"إذ"من الحروف الزوائد، وأن معناها الحذف. واعتلّ لقوله الذي وصفنا عنه في ذلك ببيت الأسود بن يَعْفُر:

فَإِذَا وَذَلِكَ لامَهَاهَ لِذِكْرهِ ... وَالدَّهْرُ يُعْقِب صَالِحًا بِفَسَادِ

ثم قال: ومعناها: وذلك لامهاه لذكره - وببيت عبد مناف بن رِبْع الهُذَليِّ:

حَتَّى إِذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ ... شَلا كَمَا تَطْرُدُ الْجَمَّالَةُ الشُّرُدَا

وقال: معناه، حتى أسلكوهم.

قال أبو جعفر: والأمر في ذلك بخلاف ما قال: وذلك أن"إذ"حرف يأتي بمعنى الجزاء، ويدل على مجهول من الوقت. وغيرُ جائز إبطال حرف كان دليلا على معنى في الكلام. إذْ سواءٌ قيلُ قائل: هو بمعنى التطوُّل، وهو في الكلام دليل على معنى مفهوم - وقيلُ آخرَ، في جميع الكلام الذي نطق به دليلا على ما أريد به: وهو بمعنى التطوُّل.

وليس لما ادَّعَى الذي وصفنا قوله - في بيت الأسود بن يعفر: أن"إذا"بمعنى التطوّل - وجه مفهوم، بل ذلك لو حذف من الكلام لبطل المعنى الذي أراده الأسود بن يعفر من قوله:

فَإِذَا وَذَلِكَ لَا مَهاهَ لذكْرِهِ [1]

وذلك أنه أراد بقوله: فإذا الذي نحن فيه، وما مضى من عيشنا. وأشار بقوله"ذلك"إلى ما تقدم وصْفه من عيشه الذي كان فيه -"لَا مَهاهَ لذكْرِهِ"يعني لا طعمَ له ولا فضلَ، لإعقاب الدهر صَالح ذلك بفساد. وكذلك معنى قول عبد مناف بن رِبْعٍ:

حَتَّى إِذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ ... شَلا

لو أسقط منه"إذا"بطل معنى الكلام، لأن معناه: حتى إذا أسلكوهم في قتائدة سلكوا شلا فدل قوله."أسلكوهم شلا"على معنى المحذوف، فاستغنى عن ذكره بدلالة"إذا"عليه، فحذف. كما دَلّ - ما قد ذكرنا فيما مضى من كتابنا - على ما تفعل العربُ في نظائر ذلك. وكما قال النمر بن تَوْلَب:

فَإِنَّ الْمَنِيَّةَ مَنْ يَخْشَهَا ... فَسَوْفَ تُصَادِفُه أَيْنَما

وهو يريد: أينما ذهب. وكما تقول العرب:"أتيتك من قبلُ ومن بعدُ". تريد من قبل ذلك، ومن بعد ذلك. فكذلك ذلك في"إذا"كما يقول القائل:

"إذا أكرمك أخوكَ فأكرمه، وإذا لا فلا". يريد: وإذا لم يكرمك فلا تكرمه.

ومن ذلك قول الآخر:

فَإِذَا وَذَلِكَ لا يَضُرُّكَ ضُرُّهُ ... فِي يَوْم أسألُ نَائِلا أو أنْكَدُ

نظيرَ ما ذكرنا من المعنى في بيت الأسود بن يعفر. وكذلك معنى قول الله جل ثناؤه:"وإذ قالَ ربك للملائكة"، لو أبْطِلت"إذ"وحُذِفت من الكلام، لاستحال عن معناه الذي هو به، وفيه"إذ".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] البيت بتمامه كما في «لسان العرب»

فَإِذَا وَذَلِكَ لَا مَهاهَ لذكْرِهِ ... والدهرُ يُعْقِبُ صَالِحًا بفسادِ

ابْنُ بُزُرْج: يُقَالُ مَا فِي ذَلِكَ الأَمر مَهَهٌ وَهُوَ الرَّجاءُ. وَيُقَالُ: مَهِهْتُ مِنْهُ مَهَهاً. وَيُقَالُ: مَا كَانَ لَكَ عِنْدَ ضَرْبِك فُلَانًا مَهَهٌ وَلَا رَوِيَّةٌ. والمَهْمَهُ: المفازةُ الْبَعِيدَةُ، وَالْجَمْعُ المَهامِهُ. والمَهْمَهُ: الخَرْقُ الأَمْلَس الْوَاسِعُ. اللَّيْثُ: المَهْمَهُ الفَلاةُ بعينِها لَا ماءَ بِهَا وَلَا أَنيسَ. وأَرضٌ مَهامِهُ: بعيدةٌ. وَيُقَالُ: المَهْمَهُ البَلْدةُ المُقْفِرَةُ، وَيُقَالُ مَهْمَهَةٌ؛ وأَنشد:

فِي تيهِ مَهْمَهةٍ كأَنَّ صُوَيَّها ... أَيْدي مُخالِعةٍ تكُفُّ وتَنْهَدُ

اهـ (لسان العرب. 13/ 542) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت