وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}
فَإِنَّ فِي تَأْوِيلِهِ وَفِيمَا عُنِيَ بِهِ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ الدَّلَالَةَ عَلَى اللَّازِمِ لِلْأَزْوَاجِ الْمُطَلَّقَاتِ اثْنَتَيْنِ بَعْدَ مُرَاجَعَتِهِمْ إِيَّاهُنَّ مِنَ التَّطْلِيقَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ عِشْرَتِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ فِرَاقِهِنَّ بِطَلَاقٍ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: «الرَّجُلُ أَمْلَكُ بِامْرَأَتِهِ فِي تَطْلِيقَتَيْنِ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِذَا تَكَلَّمَ الثَّالِثَةَ فَلَيْسَتْ مِنْهُ بِسَبِيلٍ، وَتَعْتَدُّ لِغَيْرِهِ»
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ عَنَى اللَّهُ بِذَلِكَ الدَّلَالَةَ عَلَى مَا يَلْزَمُهُمْ لَهُنَّ بَعْدَ التَّطْلِيقَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ مُرَاجَعَةٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٍ بِإِحْسَانٍ، بِتَرْكِ رَجْعَتِهِنَّ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ، فَيَصِرْنَ أَمْلَكَ لِأَنْفُسِهِنَّ. وَأَنْكَرُوا قَوْلَ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى التَّطْلِيقَةِ الثَّالِثَةِ
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا ذَلِكَ الْإِمْسَاكُ الَّذِي هُوَ بِمَعْرُوفٍ؟
قِيلَ: هُوَ: أَنْ يُحْسِنَ صُحْبَتَهَا""
فَإِنْ قَالَ: فَمَا التَّسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ؟
قِيلَ: يُسَرِّحُهَا، وَلَا يَظْلِمُهَا مِنْ حَقِّهَا شَيْئًا""
وقِيلَ:"هُوَ الْمِيثَاقُ الْغَلِيظُ"
الْإِحْسَانُ: أَنْ يُوفِيَهَا حَقَّهَا، فَلَا يُؤْذِيهَا، وَلَا يَشْتِمُهَا""
وقِيلَ: التَّسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ: أَنْ يَدَعَهَا حَتَّى تَمْضِيَ عِدَّتُهَا، وَيُعْطِيَهَا مَهْرًا إِنْ كَانَ لَهَا عَلَيْهِ إِذَا طَلَّقَهَا. فَذَلِكَ التَّسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ، وَالْمُتْعَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَيْسَرَةِ""
فَإِنْ قَالَ: فَمَا الرَّافِعُ لِلْإِمْسَاكِ وَالتَّسْرِيحِ؟
قِيلَ: مَحْذُوفٌ اكْتُفِيَ بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنَ الْكَلَامِ مِنْ ذِكْرِهِ، وَمَعْنَاهُ: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ، فَالْأَمْرُ الْوَاجِبُ حِينَئِذٍ بِهِ إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ.
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي قَوْلِهِ: {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} .