فهرس الكتاب
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ}
فَقَالَ بَعْضُهُمْ:"هُمُ الْيَهُودُ"
وَقَالَ آخَرُونَ: هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، لِأَنَّ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ هُمُ الْعَرَبُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ}
هُمُ النَّصَارَى، وَالَّذِينَ قَالَتْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ هُمُ الْيَهُودُ، وَسَأَلَتْ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرِيَهُمُ رَبِّهَمْ جَهْرَةً، وَأَنْ يُسْمِعَهُمْ كَلَامَ رَبِّهِمْ، كَمَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، وَسَأَلُوا مِنَ الْآيَاتِ مَا لَيْسَ لَهُمْ مَسْأَلَتُهُ تَحَكُّمًا مِنْهُمْ عَلَى رَبِّهِمْ، وَكَذَلِكَ تَمَنَّتِ النَّصَارَى عَلَى رَبِّهَا تَحَكُّمًا مِنْهَا عَلَيْهِ أَنْ يُسْمِعَهُمُ كَلَامَهُ وَيُرِيَهُمْ مَا أَرَادُوا مِنَ الْآيَاتِ. فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مِثْلَ الَّذِي قَالَتْهُ الْيَهُودُ وَتَمَنَّتْ عَلَى رَبِّهَا مِثْلَ أَمَانِيِّهَا، وَأَنَّ قَوْلَهُمُ الَّذِي قَالُوهُ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا يُشَابِهُ قَوْلَ الْيَهُودِ مِنْ أَجْلِ تَشَابُهِ قُلُوبِهِمْ فِي الضَّلَالَةِ وَالْكُفْرِ بِاللَّهِ.
فَهُمْ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مَذَاهِبُهُمْ فِي كَذِبِهِمْ عَلَى اللَّهِ وَافْتِرَائِهِمْ عَلَيْهِ، فَقُلُوبُهُمْ مُتَشَابِهَةٌ فِي الْكُفْرِ بِرَبِّهِمْ وَالْفِرْيَةِ عَلَيْهِ، وَتَحَكُّمِهِمْ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
وَغَيْرُ جَائِزٍ فِي قَوْلِهِ: {تَشَابَهَتِ}
التَّثْقِيلُ، لِأَنَّ التَّاءَ الَّتِي فِي أَوَّلِهَا زَائِدَةٌ أُدْخِلَتْ فِي قَوْلِهِ: تَفَاعَلَ، وَإِنْ ثَقُلَتْ صَارَتْ تَاءَيْنِ؛ وَلَا يَجُوزُ إِدْخَالُ تَاءَيْنِ زَائِدَتَيْنِ عَلَامَةً لِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الِاسْتِقْبَالِ لِاخْتِلَافِ مَعْنَى دُخُولِهِمَا، لِأَنَّ إِحْدَاهُمَا تَدْخُلُ عَلَمًا لِلِاسْتِقْبَالِ، وَالْأُخْرَى مِنْهَا الَّتِي فِي تَفَاعَلَ، ثُمَّ تُدْغَمُ إِحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى فَتُثَقَّلُ فَيُقَالُ: تَشَابَهَ بَعْدَ الْيَوْمِ قُلُوبُنَا.
فَمَعْنَى الْآيَةِ: وَقَالَتِ النَّصَارَى الْجُهَّالُ بِاللَّهِ وَبِعَظَمَتِهِ: هَلَّا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ رَبُّنَا كَمَا كَلَّمَ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ، أَوْ تَجِيئُنَا عَلَامَةٌ مِنَ اللَّهِ نَعْرِفُ بِهَا صِدْقَ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ عَلَى مَا نَسْأَلُ وَنُرِيدُ؟ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَكَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالُ مِنَ النَّصَارَى وَتَمَنَّوْا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْيَهُودِ، فَسَأَلُوا رَبَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ جَهْرَةً، وَيُؤْتِيَهُمْ آيَةً، وَاحْتَكَمُوا عَلَيْهِ وَعَلَى رُسُلِهِ، وَتَمَنَّوُا الْأَمَانِيَّ. فَاشْتَبَهَتْ قُلُوبُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي تَمَرُّدِهِمْ عَلَى اللَّهِ وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ بِعَظَمَتِهِ وَجَرْأَتِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، كَمَا اشْتَبَهَتْ أَقْوَالُهُمُ الَّتِي قَالُوهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}
قَدْ بَيَّنَّا الْعَلَامَاتِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا غَضِبَ اللَّهُ عَلَى الْيَهُودِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ، وَأَعَدَّ لَهُمُ الْعَذَابَ الْمُهِينَ فِي مَعَادِهِمْ، وَالَّتِي مِنْ أَجْلِهَا أَخْزَى اللَّهُ النَّصَارَى فِي الدُّنْيَا، وَأَعَدَّ لَهُمُ الْخِزْيَ وَالْعَذَابَ الْأَلِيمَ فِي الْآخِرَةِ، وَالَّتِي مِنْ أَجْلِهَا جَعَلَ سُكَّانَ الْجِنَّانِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا وجُوهَهُمْ لِلَّهِ وَهُمْ مُحْسِنُونَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَغَيْرِهَا. فَأُعْلِمُوا الْأَسْبَابَ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا اسْتَحَقَّ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا فَعَلَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَخَصَّ اللَّهُ بِذَلِكَ الْقَوْمَ الَّذِينَ يُوقِنُونَ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ التَّثَبُّتِ فِي الْأُمُورِ، وَالطَّالِبُونَ مَعْرِفَةَ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ عَلَى يَقِينٍ وَصِحَّةٍ. فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ بَيَّنَ لِمَنْ كَانَتْ هَذِهِ الصُّفَّةُ صِفَتُهُ مَا بَيَّنَ مِنْ ذَلِكَ لِيَزُولَ شَكُّهُ، وَيَعْلَمَ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ؛ إِذْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَخَبَرُ اللَّهِ الْخَبَرُ الَّذِي لَا يُعْذَرُ سَامِعُهُ بِالشَّكِّ فِيهِ.
وَقَدْ يَحْتَمِلُ غَيْرُهُ مِنَ الْأَخْبَارِ مَا يَحْتَمِلُ مِنَ الْأَسْبَابِ الْعَارِضَةِ فِيهِ مِنَ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ وَالْكَذِبِ، وَذَلِكَ مَنْفِيٌّ عَنْ خَبَرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.