الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا}
ثُمَّ قَالَا تَعَالَى ذِكْرُهُ.
{إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا}
فَاسْتَثْنَى الْقَوْلَ الْمَعْرُوفَ مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ، مِنْ مُوَاعَدَةِ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ السِّرَّ، وَهُوَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ؛ وَلَكِنَّهُ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي قَدْ ذَكَرْتُ قَبْلُ أَنَّهُ يَأْتِيَ بِمَعْنًى خِلَافِ الَّذِي قَبْلَهُ فِي الصِّفَةِ خَاصَّةً، وَتَكُونُ «إِلَّا» فِيهِ بِمَعْنَى «لَكِنْ» فَقَوْلُهُ: {إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا}
مِنْهُ: وَمَعْنَاهُ: وَلَكِنْ قُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا. فَأَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنْ يَقُولَ لَهَا الْمَعْرُوفَ مِنَ الْقَوْلِ فِي عِدَّتِهَا، وَذَلِكَ هُوَ مَا أَذِنَ لَهُ بِقَوْلِهِ: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ}
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ:" {إِلَّا أَنْ تَقُولُوا، قَوْلًا مَعْرُوفًا} "
قَالَ: يَقُولُ: إِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ نَجْتَمِعَ""
وعَنْ مُجَاهِدٍ:" {إِلَّا أَنْ تَقُولُوا، قَوْلًا مَعْرُوفًا} "
قَالَ: يَعْنِي التَّعْرِيضَ""
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ}
وَلَا تُصَحِّحُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ فِي عِدَّةِ الْمَرْأَةِ الْمُعْتَدَّةِ، فَتُوجِبُوهَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُنَّ، وَتَعْقِدُوهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ {حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ}
يَعْنِي: يَبْلُغْنَ أَجْلَ الْكِتَابِ الَّذِي بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}
فَجَعَلَ بُلُوغَ الْأَجَلِ لِلْكِتَابِ وَالْمَعْنَى: لِلْمُتَنَاكِحَيْنِ أَنْ لَا يَنْكِحَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ الْمُعْتَدَّةَ فَيَعْزِمَ عُقْدَةَ النِّكَاحِ عَلَيْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، فَيَبْلُغَ الْأَجَلَ الَّذِي أَجَّلَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ لِانْقِضَائِهَا.
عَنِ الشَّعْبِيِّ، فِي قَوْلِهِ:" {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} "
قَالَ: مَخَافَةَ أَنْ تَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ""
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَاعْلَمُوا أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ مِنْ هَوَاهُنَّ، وَنِكَاحِهِنَّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِكُمْ {فَاحْذَرُوهُ}
يَقُولُ: فَاحْذَرُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ فِي أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْتُوا شَيْئًا مِمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ مِنْ عَزْمِ عُقْدَةِ نِكَاحِهِنَّ، أَوْ مُوَاعَدَتِهِنَّ السِّرَّ فِي عَدَدِهِنَّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ فِي شَأْنِهِنَّ فِي حَالِ مَا هُنَّ مُعْتَدَّاتٌ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ.
{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ}
يَعْنِي أَنَّهُ ذُو سَتْرٍ لِذُنُوبِ عِبَادِهِ وَتَغْطِيَةٍ عَلَيْهَا فِيمَا تُكِنُّهُ نُفُوسُ الرِّجَالِ مِنْ خِطْبَةِ الْمُعْتَدَّاتِ وَذِكْرِهِمْ إِيَّاهُنَّ فِي حَالِ عِدَدِهِنَّ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ خَطَايَاهُمْ.
وَقَوْلُهُ {حَلِيمٌ}
يَعْنِي أَنَّهُ ذُو أَنَاةٍ لَا يُعَجِّلُ عَلَى عِبَادِهِ بِعُقُوبَتِهِمْ عَلَى ذُنُوبِهِمْ.