قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ، سَمَّى تَنْزِيلَهُ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَسْمَاءً أَرْبَعَةً: مِنْهُنَّ الْقُرْآنُ، فَقَالَ فِي تَسْمِيَتِهِ إِيَّاهُ بِذَلِكَ، فِي تَنْزِيلِهِ: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ}
وَقَالَ: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} .
وَمِنْهُنَّ الْفُرْقَانُ: قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، فِي وَحْيِهِ إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُسَمِّيهِ بِذَلِكَ: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} .
وَمِنْهُنَّ الْكِتَابُ: قَالَ تَبَارَكَ اسْمُهُ، فِي تَسْمِيَتِهِ إِيَّاهُ بِهِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا} .
وَمِنْهُنَّ الذِّكْرُ: قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ، فِي تَسْمِيَتِهِ إِيَّاهُ بِهِ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .
وَلِكُلِّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ الْأَرْبَعَةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَعْنًى وَوَجْهٌ غَيْرُ مَعْنَى الْآخَرِ وَوَجْهِهِ.
فَأَمَّا الْقُرْآنُ: فَإِنَّ الْمُفَسِّرِينَ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِنَ التِّلَاوَةِ وَالْقِرَاءَةِ، وَأَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: قَرَأْتُ الْقُرْآنَ، كَقَوْلِكَ الْخُسْرَانَ: مِنْ خَسِرْتُ، وَالْغُفْرَانَ: مِنْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، وَالْكُفْرَانَ: مِنْ كَفَرْتُكَ.
وَالْفُرْقَانَ: مِنْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} ، يَقُولُ:"بَيَّنَّاهُ، فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، يَقُولُ: اعْمَلْ بِهِ"
وَمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا، فَإِذَا بَيَّنَّاهُ بِالْقِرَاءَةِ، فَاعْمَلْ بِمَا بَيَّنَّاهُ لَكَ بِالْقِرَاءَةِ.
وَمِمَّا يُوَضِّحُ صِحَّةَ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا مَا [روي عنه] " {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} "
قَالَ: أَنْ نُقْرِئَكَ فَلَا تَنْسَى، {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ}
عَلَيْكَ {فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}
يَقُولُ: إِذَا تُلِيَ عَلَيْكَ، فَاتَّبِعْ مَا فِيهِ""
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَقَدْ صَرَّحَ هَذَا الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ مَعْنَى الْقُرْآنِ عِنْدَهُ الْقِرَاءَةُ، فَإِنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ قَرَأْتَ عَلَيَّ مَا قَدْ قُلْنَاهُ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ قَتَادَةَ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ قَرَأْتُ الشَّيْءَ إِذَا جَمَعْتُهُ وَضَمَمْتُ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، كَقَوْلِكَ: مَا قَرَأَتْ هَذِهِ النَّاقَةُ سَلًى قَطُّ، تُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا لَمْ تَضُمَّ رَحِمًا عَلَى وَلَدٍ، كَمَا قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ التَّغْلِبِيُّ:
[البحر الوافر]
تُرِيكَ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى خَلَاءٍ ... وَقَدْ أَمِنْتَ عُيُونَ الْكَاشِحِينَا
ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أَدَمَاءَ بِكْرٍ ... هِجَانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينَا
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا: لَمْ تَضْمُمْ رَحِمًا عَلَى وَلَدٍ