فهرس الكتاب

الصفحة 2300 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124)}

يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَإِذِ ابْتَلَى}

وَإِذَا اخْتَبَرَ، يُقَالُ مِنْهُ: ابْتُلِيتُ فُلَانًا أَبْتَلِيهِ ابْتِلَاءً. وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى}

يَعْنِي بِهِ: اخْتَبِرُوهُمْ. وَكَانَ اخْتِبَارُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِبْرَاهِيمَ اخْتِبَارًا بِفَرَائِضَ فَرَضَهَا عَلَيْهِ، وَأَمْرٍ أَمَرَهُ بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَوْحَاهُنَّ إِلَيْهِ وَكَلَّفَهُ الْعَمَلَ بِهِنَّ امْتِحَانًا مِنْهُ لَهُ وَاخْتِبَارًا.

ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي ابْتَلَى اللَّهُ بِهَا إِبْرَاهِيمَ نَبِيَّهُ وَخَلِيلَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ سَهْمًا.

وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ خِصَالٌ عَشْرٌ مِنْ سُنَنِ الْإِسْلَامِ

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي ابْتُلِيَ بِهِنَّ عَشْرُ خِلَالٍ؛ بَعْضُهُنَّ فِي تَطْهِيرِ الْجَسَدِ، وَبَعْضُهُنَّ فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ مَنَاسِكُ الْحَجِّ خَاصَّةً

وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ أُمُورٌ مِنْهُنَّ الْخِتَانُ

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ الْخِلَالُ السِّتُّ: الْكَوْكَبُ، وَالْقَمَرُ، وَالشَّمْسُ، وَالنَّارُ، وَالْهِجْرَةُ، وَالْخِتَانُ، الَّتِي ابْتُلِيَ بِهِنَّ فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ

وَقَالَ آخَرُونَ:"الْكَلِمَاتُ الَّتِي ابْتَلَى بِهِنَّ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمَنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} "

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ عِبَادَهُ أَنَّهُ اخْتَبَرَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ بِكَلِمَاتٍ أَوْحَاهُنَّ إِلَيْهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِنَّ وَأَتَمَّهُنَّ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُ أَنَّهُ فَعَلَ.

وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْكَلِمَاتُ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ فِي تَأْوِيلِ الْكَلِمَاتِ، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ بَعْضَهُ؛ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَدْ كَانَ امْتُحِنَ فِيمَا بَلَغَنَا بِكُلِّ ذَلِكَ، فَعَمِلَ بِهِ وَقَامَ فِيهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَأَمْرِهِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِيهِ.

وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: عَنَى اللَّهُ بِالْكَلِمَاتِ الَّتِي ابْتُلِيَ بِهِنَّ إِبْرَاهِيمُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ دُونَ شَيْءٍ، وَلَا عَنَى بِهِ كُلَّ ذَلِكَ إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا مِنْ خَبَرٍ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ إِجْمَاعٍ مِنَ الْحُجَّةِ؛ وَلَمْ يَصِحَّ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ خَبَرٌ عَنِ الرَّسُولِ بِنَقْلِ الْوَاحِدِ، وَلَا بِنَقْلِ الْجَمَاعَةِ الَّتِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لِمَا نَقَلَتْهُ. غَيْرَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَظِيرِ مَعْنَى ذَلِكَ خَبَرَانِ لَوْ ثَبَتَا، أَوْ أَحَدُهُمَا، كَانَ الْقَوْلُ بِهِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ هُوَ الصَّوَابُ.

أَحَدُهُمَا: عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:"أَلَا أُخْبِرُكُمْ لِمَ سَمَّى اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وَفَّى؟ لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ كُلَّمَا أَصْبَحَ وَكُلَّمَا أَمْسَى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} "

«حَتَّى يَخْتِمَ الْآيَةَ»

وَالْآخَرُ: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} "

قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا وَفَّى؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «وَفَّى عَمَلَ يَوْمِهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي النَّهَارِ» فَلَوْ كَانَ خَبَرُ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ صَحِيحًا سَنَدُهُ. كَانَ بَيِّنًا أَنَّ الْكَلِمَاتِ الَّتِي ابْتُلِيَ بِهِنَّ إِبْرَاهِيمُ فَقَامَ بِهِنَّ هُوَ قَوْلُهُ كُلَّمَا أَصْبَحَ وَأَمْسَى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ}

أَوْ كَانَ خَبَرُ أَبِي أُمَامَةَ عُدُولًا نَقَلَتْهُ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْكَلِمَاتِ الَّتِي أُوحِينَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَابْتُلِيَ بِالْعَمَلِ بِهِنَّ أَنْ يُصَلِّيَ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ.

غَيْرَ أَنَّهُمَا خَبَرَانِ فِي أَسَانِيدِهِمَا نَظَرٌ.

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي مَعْنَى الْكَلِمَاتِ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ ابْتَلَى بِهِنَّ إِبْرَاهِيمَ مَا بَيَّنَّا آنِفًا.

وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ فِي ذَلِكَ: إِنَّ الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَأَبُو صَالِحٍ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ الَّذِي قَالَهُ غَيْرُهُمْ؛ كَانَ مَذْهَبًا، لِأَنَّ قَوْلَهُ: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}

وَقَوْلُهُ: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ}

وَسَائِرِ الْآيَاتِ الَّتِي هِيَ نَظِيرُ ذَلِكَ كَالْبَيَانِ عَنِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ ابْتَلَى بِهِنَّ إِبْرَاهِيمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت