فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 6201

قال الجاحظ عن الإطناب والإيجاز في كتابه(الحيوان)ما نصه:

وقد بقيت - أبقاك الله تعالى - أبواب توجب الإطالة، وتحوج إلى الإطناب.

وليس بإطالة ما لم يجاوز مقدار الحاجة، ووقف عند منتهى البغية.

وإنما الألفاظ على أقدار المعاني، فكثيرها لكثيرها، وقليلها لقليلها، وشريفها لشريفها، وسخيفها لسخيفها.

والمعاني المفردة، البائنة بصورها وجهاتها، تحتاج من الألفاظ إلى أقلّ مما تحتاج إليه المعاني المشتركة، والجهات الملتبسة.

ولو جهد جميع أهل البلاغة أن يخبروا من دونهم عن هذه المعاني، بكلام وجيز يغني عن التفسير باللّسان، والإشارة باليد والرأس - لما قدروا عليه.

وقد قال الأوّل: «إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون!» .

وليس ينبغي للعاقل أن يسوم اللّغات ما ليس في طاقتها. ويسوم النّفوس ما ليس في جبلّتها.

ولذلك صار يحتاج صاحب كتاب المنطق إلى أن يفسّره لمن طلب من قبله علم المنطق، وإن كان المتكلم رفيق اللّسان، حسن البيان، إلّا أنّي لا أشكّ على حال أنّ النفوس إذ كانت إلى الطّرائف أحنّ، وبالنّوادر أشغف، وإلى قصار الأحاديث أميل، وبها أصبّ - أنّها خليقة لاستثقال الكثير، وإن استحقّت تلك المعاني الكثيرة، وإن كان ذلك الطّويل أنفع، وذلك الكثير أردّ. اهـ (الحيوان، للجاحظ. 6/ 322 - 323) .

وقال أيضا: درجت الأرض من العرب والعجم على إيثار الإيجاز، وحمد الاختصار، وذم الإكثار والتطويل والتكرار، وكل ما فضل عن المقدار.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم طويل الصمت، دائم السكت يتكلم بجوامع الكلم، لا فضل ولا تقصير، وكان يبغض الثرثارين المتشدقين.

وكان يقال: أفصح الناس أسهلهم لفظًا، وأحسنهم بديهة.

والبلاغة إصابة المعنى والقصد إلى الحجة مع الإيجاز، ومعرفة الفصل من الوصل.

وقيل: العاقل من خزن لسانه، ووزن كلامه، وخاف الندامة.

وحسن البيان محمود، وحسن الصمت حكم.

وربما كان الإيجاز محمودًا، والإكثار مذمومًا. وربما رأيت الإكثار أحمد من الإيجاز. ولكل مذهب ووجه عند العاقل.

ولكل مكان مقال، ولكل كلام جواب. مع أن الإيجاز أسهل مراما وأيسر مطلبًا من الإطناب، ومن قدر على الكثير كان على القليل أقدر.

والتقليل للتخفيف، والتطويل للتعريف، والتكرار للتوكيد، والإكثار للتشديد. اهـ (رسائل الجاحظ، للجاحظ. 6/ 151 - 152) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت