فهرس الكتاب

الصفحة 2514 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(132)}

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَوَصَّى بِهَا}

وَوَصَّى بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ؛ أَعْنِي بِالْكَلِمَةِ قَوْلَهُ: {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}

وَهِيَ الْإِسْلَامُ الَّذِي أَمَرَ بِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ إِخْلَاصُ الْعِبَادَةِ وَالتَّوْحِيدُ لِلَّهِ، وَخُضُوعُ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ لَهُ

وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ}

عَهِدَ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ وَأَمَرَهُمْ بِهِ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَيَعْقُوبُ}

فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَوَصَّى بِذَلِكَ أَيْضًا يَعْقُوبُ بَنِيهِ

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ}

خَبَرٌ مُنْقَضٍ، وَقَوْلُهُ: {وَيَعْقُوبُ}

خَبَرٌ مُبْتَدَأٌ، فَإِنَّهُ، قَالَ: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ بِأَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَوَصَّى يَعْقُوبُ بَنِيهِ أَنْ: {يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} . وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ؛ وَلَأَنَّ الَّذِي أَوْصَى بِهِ يَعْقُوبُ بَنِيهِ نَظِيرُ الَّذِي أَوْصَى بِهِ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ مِنَ الْحَثِّ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَالْخُضُوعِ لَهُ وَالْإِسْلَامِ.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ أَنْ يَا بَنِيَّ، فَمَا بَالُ أَنْ مَحْذُوفَةٌ مِنَ الْكَلَامِ؟

قِيلَ: لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ قَوْلٌ فَحُمِلَتْ عَلَى مَعْنَاهَا، وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَاءَ بِلَفْظِ الْقَوْلِ لَمْ تَحْسُنْ مَعَهُ أَنْ، وَإِنَّمَا كَانَ يُقَالُ: وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِبَنِيهِ وَيَعْقُوبُ: {يَا بَنِيَّ} ، فَلَمَّا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ قَوْلًا حُمِلَتْ عَلَى مَعْنَاهَا دُونَ قَوْلِهَا، فَحُذِفَتْ أَنِ الَّتِي تَحْسُنُ مَعَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}

وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

[البحر الرجز]

إِنِّي سَأُبْدِي لَكَ فِيمَا أُبْدِي لِي شَجَنَانِ شَجَنٌ بِنَجْدِ

وَشَجَنٌ لِي بِبِلَادِ السِّنْدِ

فَحُذِفَتْ أَنَّ إِذْ كَانَ الْإِبْدَاءُ بِاللِّسَانِ فِي الْمَعْنَى قَوْلًا، فَحَمَلَهُ عَلَى مَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ.

وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: إِنَّمَا حُذِفَتْ أَنْ مِنْ قَوْلِهِ: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ}

بِاكْتِفَاءِ النِّدَاءِ، يَعْنِي بِالنِّدَاءِ قَوْلَهُ: يَا بَنِيَّ، وَزَعَمَ أَنَّ عِلَّتَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مِنَ شَأْنِ الْعَرَبِ الِاكْتِفَاءُ بِالْأَدَوَاتِ عَنْ أَنْ كَقَوْلِهِمْ: نَادَيْتُ هَلْ قُمْتَ؟ وَنَادَيْتُ أَيْنَ زَيْدٌ؟ قَالَ: وَرُبَّمَا أَدْخَلُوهَا مَعَ الْأَدَوَاتِ فَقَالُوا: نَادَيْتُ أَنْ هَلْ قُمْتَ؟ وَقَدْ قَرَأَ عَهِدَ إِلَيْهِمْ عَهْدًا بَعْدَ عَهْدٍ، وَأَوْصَى وَصِيَّةً بَعْدَ وَصِيَّةٍ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ}

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ}

إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ لَكُمْ هَذَا الدِّينَ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْكُمْ فِيهِ وَاجْتَبَاهُ لَكُمْ.

وَإِنَّمَا أَدْخَلَ الْأَلْفَ وَاللَّامَ فِي «الدِّينِ» ، لِأَنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا مِنْ وَلَدِهِمَا وَبَنِيهِمَا بِذَلِكَ كَانُوا قَدْ عَرَفُوهُ بِوَصِيَّتِهِمَا إِيَّاهُمْ بِهِ وَوَصِيَّتِهِمَا إِلَيْهِمْ فِيهِ، ثُمَّ قَالَا لَهُمْ بَعْدَ أَنْ عَرَّفَاهُمُوهُ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ هَذَا الدِّينَ الَّذِي قَدْ عَهِدَ إِلَيْكُمْ فِيهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ أَنْ تَمُوتُوا إِلَّا وَأَنْتُمْ عَلَيْهِ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}

إِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: أَوَإِلَى بَنِي آدَمَ الْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ فَيُنْهَى أَحَدُهُمْ أَنْ يَمُوتَ إِلَّا عَلَى حَالَةٍ دُونَ حَالَةٍ؟

قِيلَ لَهُ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ظَنَنْتَ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: {فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}

أَيْ فَلَا تُفَارِقُوا هَذَا الدِّينَ وَهُوَ الْإِسْلَامُ أَيَّامَ حَيَاتِكُمْ؛ وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَدْرِي مَتَى تَأْتِيَهِ مَنِيَّتُهُ، فَلِذَلِكَ قَالَا لَهُمْ: {فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}

لِأَنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَتَى تَأْتِيكُمْ مَنَايَاكُمْ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، فَلَا تُفَارِقُوا الْإِسْلَامَ فَتَأْتِيَكُمْ مَنَايَاكُمْ وَأَنْتُمْ عَلَى غَيْرِ الدِّينِ الَّذِي اصْطَفَاهُ لَكُمْ رَبُّكُمْ فَتَمُوتُوا وَرَبُّكُمْ سَاخِطٌ عَلَيْكُمْ فَتَهْلِكُوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت