فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 6201

وَقَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَوْلُهُ:{مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ(25)}

كَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي الْخَيْرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: «هُوَ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ» .

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ كُلُّ حَقٍّ وَجَبَ لِلَّهِ، أَوْ لِآدَمَيٍّ فِي مَالِهِ، وَالْخَيْرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هُوَ الْمَالُ.

وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ هُوَ الصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَمَّ بِقَوْلِهِ {مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ} عَنْهُ أَنَّهُ يَمْنَعُ الْخَيْرَ وَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْهُ شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ، فَذَلِكَ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ يُمْكِنُ مَنْعُهُ طَالِبَهُ.

وَقَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ}

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُنْزِلَتْ تَوْبِيخًا مِنَ اللَّهِ لِقَوْمٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، تَمَنَّوْا مَعْرِفَةَ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ. فَعَرَّفَهُمُ اللَّهُ إِيَّاهُ، فَلَمَّا عَرَفُوا قَصَّرُوا، فَعُوتِبُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي تَوْبِيخِ قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ أَحَدُهُمْ يَفْتَخِرُ بِالْفِعْلِ مِنْ أَفْعَالِ الْخَيْرِ الَّتِي لَمْ يَفْعَلْهَا، فَيَقُولُ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَعَذَلَهُمُ اللَّهُ عَلَى افْتِخَارِهِمْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا كَذِبًا.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هَذَا تَوْبِيخٌ مِنَ اللَّهِ لِقَوْمٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، كَانُوا يَعِدُونَ الْمُؤْمِنِينَ النَّصْرَ وَهُمْ كَاذِبُونَ.

وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بتَأْوِيلِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِهَا الَّذِينَ قَالُوا: لَوْ عَرَفْنَا أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ لَعَمِلْنَا بِهِ، ثُمَّ قَصَّرُوا فِي الْعَمَلِ بَعْدَمَا عَرَفُوا.

وَإِنَّمَا قُلْنَا: هَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى بِهَا، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَاطَبَ بِهَا الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا؛ وَلَوْ كَانَتْ نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ لَمْ يُسَمُّوا، وَلَمْ يُوصَفُوا بِالْإِيمَانِ، وَلَوْ كَانُوا وَصَفُوا أَنْفُسَهُمْ بِفِعْلِ مَا لَمْ يَكُونُوا فَعَلُوهُ، كَانُوا قَدْ تَعَمَّدُوا قِيلَ الْكَذِبِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ صِفَةَ الْقَوْمِ، وَلَكِنَّهُمْ عِنْدِي أَمَّلُوا بِقَوْلِهِمْ: لَوْ عَلِمْنَا أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ عَمِلْنَاهُ أَنَّهُمْ لَوْ عَلِمُوا بِذَلِكَ عَمِلُوهُ؛ فَلَمَّا عَلِمُوا ضَعُفَتْ قُوَى قَوْمٍ مِنْهُمْ، عَنِ الْقِيَامِ بِمَا أَمَّلُوا الْقِيَامَ بِهِ قَبْلَ الْعِلْمِ، وَقَوِيَ آخَرُونَ فَقَامُوا بِهِ، وَكَانَ لَهُمُ الْفَضْلُ وَالشَّرَفُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت