اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {لَا تَقُولُوا رَاعَنَا}
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأْوِيلُهُ لَا تَقُولُوا خِلَافًا
وَقَالَ آخَرُونَ: تَأْوِيلُهُ: أَرْعِنَا سَمْعَكَ: أَيْ اسْمَعْ مِنَّا وَنَسْمَعُ مِنْكَ
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ نَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا رَاعِنَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ كَلِمَةٌ كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُهَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ وَالْمَسَبَّةِ، فَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ كَلِمَةٌ كَانَتِ الْأَنْصَارُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَقُولُهَا، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ فِي الْإِسْلَامِ أَنْ يَقُولُوهَا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كَانَ ذَلِكَ كَلَامُ يَهُودِيٍّ مِنَ الْيَهُودِ بِعَيْنِهِ يُقَالُ لَهُ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ، كَانَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ عَلَى وَجْهِ السَّبِّ لَهُ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ أَخَذُوا ذَلِكَ عَنْهُ، فَنَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ قِيلِهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي نَهْيِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا لِنَبِيِّهِ: رَاعِنَا، أَنْ يُقَالَ إِنَّهَا كَلِمَةٌ كَرِهَهَا اللَّهُ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوهَا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَظِيرَ الَّذِي ذُكِرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (لَا تَقُولُوا لِلْعِنَبِ الْكَرْمَ وَلَكِنْ قُولُوا الْحَبَلَةَ) ، وَ (لَا تَقُولُوا عَبْدِي وَلَكِنْ قُولُوا فَتَايَ) وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَكُونَانِ مُسْتَعْمَلَتَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، فَتَأْتِي الْكَرَاهَةُ أَوِ النَّهْيُ بِاسْتِعْمَالِ إِحْدَاهُمَا وَاخْتِيَارِ الْأُخْرَى عَلَيْهَا فِي الْمُخَاطَبَاتِ.