أَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ}
فَإِنَّهُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ}
فَكَأَنَّهُ قَالَ: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ، وَاذْكُرُوا إِنْعَامَنَا عَلَيْكُمْ إِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ بِإِنْجَائِنَا لَكُمْ مِنْهُمْ.
وَأَمَّا آلُ فِرْعَوْنَ فَإِنَّهُمْ أَهْلُ دِينِهِ وَقَوْمُهُ وَأَشْيَاعُهُ.
وَأَصْلُ آلِ أَهْلُ، أُبْدِلَتِ الْهَاءُ هَمْزَةً، كَمَا قَالُوا مَاهَ، فَأَبْدَلُوا الْهَاءَ هَمْزَةً، فَإِذَا صَغَّرُوهُ قَالُوا مُوَيْهٌ، فَرَدُّوا الْهَاءَ فِي التَّصْغِيرِ وَأَخْرَجُوهُ عَلَى أَصْلِهِ. وَكَذَلِكَ إِذَا صَغَّرُوا آلَ، قَالُوا: أُهَيْلٌ.
وَأَمَّا فِرْعَوْنُ فَإِنَّهُ يُقَالُ: إِنَّهُ اسْمٌ كَانَتْ مُلُوكُ الْعَمَالِقَةِ بِمِصْرَ تُسَمَّى بِهِ كَمَا كَانَتْ مُلُوكُ الرُّومِ يُسَمِّي بَعْضُهُمْ قَيْصَرٌ وَبَعْضُهُمْ هِرَقْلٌ، وَكَمَا كَانَتْ مُلُوكُ فَارِسَ تُسَمَّى الْأَكَاسِرَةَ وَاحِدُهُمْ كِسْرَى وَمُلُوكُ الْيَمَنِ تُسَمَّى التَّبَابِعَةَ وَاحِدُهُمْ تُبَّعٌ.
وَأَمَّا فِرْعَوْنُ مُوسَى الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ نَجَّاهُمْ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُقَالُ: إِنَّ اسْمَهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ الرَّيَّانِ
وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يُقَالَ: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ}
وَالْخِطَابُ بِهِ لِمَنْ لَمْ يُدْرِكْ فِرْعَوْنَ وَلَا الْمُنَجِّينَ مِنْهُ، لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ كَانُوا أَبْنَاءَ مَنْ نَجَّاهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، فَأَضَافَ مَا كَانَ مِنْ نِعَمِهِ عَلَى آبَائِهِمْ إِلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ كُفْرَانِ آبَائِهِمْ عَلَى وَجْهِ الْإِضَافَةِ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِآخَرَ: فَعَلْنَا بِكُمْ كَذَا، وَفَعَلْنَا بِكُمْ كَذَا، وَقَتَلْنَاكُمْ وَسَبَيْنَاكُمْ، وَالْمُخْبِرُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ يَعْنِي قَوْمَهُ وَعَشِيرَتَهُ بِذَلِكَ أَوْ أَهْلَ بَلَدِهِ وَوَطَنِهِ كَانَ الْمَقُولُ لَهُ ذَلِكَ أَدْرَكَ مَا فُعِلَ بِهِمْ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُدْرِكْهُ، كَمَا قَالَ الْأَخْطَلُ يُهَاجِي جَرِيرَ بْنَ عَطِيَّةَ:
وَلَقَدْ سَمَا لَكُمُ الْهُذَيْلُ فَنَالَكُمْ ... بِإِرَابَ حَيْثُ يُقَسِّمُ الْأَنْفَالَا
فِي فَيْلَقٍ يَدْعُو الْأَرَاقِمَ لَمْ تَكُنْ ... فُرْسَانُهُ عُزْلًا وَلَا أَكْفَالَا
وَلَمْ يَلْقَ جَرِيرٌ هُذَيْلًا وَلَا أَدْرَكَهُ، وَلَا أَدْرَكَ إِرَابَ وَلَا شَهِدَهُ. وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ قَوْمِ الْأَخْطَلِ عَلَى قَوْمِ جَرِيرٍ، أَضَافَ الْخِطَابَ إِلَيْهِ وَإِلَى قَوْمِهِ، فَكَذَلِكَ خِطَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ خَاطَبَهُ بِقَوْلِهِ: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ}
لَمَّا كَانَ فِعْلُهُ مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ بِقَوْمِ مَنْ خَاطَبَهُ بِالْآيَةِ وَآبَائِهِمْ، أَضَافَ فِعْلَهُ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلَهُ بِآبَائِهِمْ إِلَى الْمُخَاطَبِينَ بِالْآيَةِ وَقَوْمِهِمْ.